انصروا الرسول قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم!
خالد عبداللطيف
لا تحسبوه شراَ!
الحمد لله على ما جنته أمة الإسلام جرّاء التطاول السافر على خاتم المرسلين ورحمة الله للعالمين؛ صحوة عظيمة في مشاعر الغيرة على الدين، وثورة ضد المعتدين على الصادق الأمين.
فكم من غافل أفاق من غفلته، وكم من ألسنة وأقلام لهجت بنصرته، وكم من دروس حية في حبه وتوقيره أحيت قلوباً كانت بحاجة إلى هزة قوية لتستفيق؛ وتشتاق بصدق إلى شربة من الكوثر، وتتعلّم فقه مراغمة الشانئ الأبتر!
إنها محنة تحولت إلى منحة، وأعادت إلى الأذهان قصة الإفك التي قال الله جل وعلا في شأنها – مع شدة وطأتها على المسلمين –: {لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} (النور:11).
فبأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم.. ما أعظم أثره على الأمة!
انصروه قياماً وقعوداً وعلى جنوبكم!
إن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من أنفسنا ففي إيماننا خلل ونقص وضعف. ولم يكن ترديد الصحابة ومن بعدهم "بـأبي هو وأمي" و"فداك أبي وأمي" إلا تعبيراً عن الواجب في حقه صلى الله عليه وسلم؛ فلنغرس هذا الحب العظيم في بيوتنا غرساً، ولنتعاهده بالسقيا، ولنحفّظ أهلينا وذرياتنا سنته وسيرته، ولنعود ألسنتنا وألسنتهم سنته وهدْيه وكثرة الصلاة والسلام عليه قياماً وقعوداً وعلى جنوبنا.
فطوبى لبيوت تحولت إلى مصابيح تضيء بحبه وذكره صلى الله عليه وسلم حيثما حلّت؛ نساؤها يحولن مجالس القيل والقال إلى نصرة للرسول ونشر لأحاديثه، وصغارها يحادثون أقرانهم عن مقاطعة منتجات المعتدين، ويتنافسون في مسابقة لحفظ سنته.. ومن ورائهم رجال يربّون ويتدارسون معهم في البيوت قصة الإفك وسورة الكوثر!
بشائر الفتوحات!
ذكر بعض أهل العلم (منهم ابن تيمية رحمه الله تعالى) أن ظهور شتم الرسول صلى الله عليه وسلم إيذان ببشائر الفتوحات لأمة الإسلام!
ولكن هل يذوق طعم فتوحات الأمة من لم يجعل بيته العامر لبنة في هذا الفتح؟!
فليكن لنا جديد بعد هذه المحنة نتواصى به وبيوتنا، وتتواصى به بيوتنا وبيوت الآخرين من جيران وأقارب؛ بإحياء سنة من هدْيه، أو نشر حديث من سنته، أو عقد مجلس لتدارس سيرته.
وليكن من ذلك الخير: عشر صلوات عليه صباحاً، ومثلها مساء، أتت بها السنة في أذكار الصباح والمساء، فلنلزمها ونذكّر بها قلوباً غدت متعطشة لحبه واتباعه صلى الله عليه وسلم.
حروف الختام.. حبه صلى الله عليه وسلم درجات! فاعرض نفسك على موازين الوحي؛ تعرف درجتك!
قال الله جل وعلا: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة:24).
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين"، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله! إنك أحب إلي من كل أحد إلا نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: "لا يا عمر حتى نفسك" فقال عمر رضي الله عنه: الآن يا رسول الله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال صلى الله عليه وسلم: "الآن يا عمر" (رواه البخاري).
واصلوا النصرة!
من صور النصرة في هذه المحنة التي تحولت إلى منحة وغيظ في قلب كل شانئ لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم: نشرُ سنته وسيرته؛ فليبدأ كل منا بنفسه وبيته، وليحرص الآباء والأمهات على تحفيظ الصغار بعض الأحاديث التي تناسب أعمارهم مع القرآن الكريم، وتعليمهم مكانتها العظيمة وأنها من الوحي (ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه).
اقصص القصص..
فلنعوّد أسماع أطفالنا سماع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقصصه وأحاديثه مع الفتيان فنمتّعهم بها، قصته مع أبي عمير أخي أنس بن مالك رضي الله عنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، لمّا رآه حزينا فسأل أنساً عن السبب فأخبره أن نغيراً له (طائراً كالعصفور) مات، فقال له – بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم – ملاطفاً ومداعباً: "يا أبا عمير ما فعل النغير"!
وحين نلقّنهم حديث: "دع ما يريبك إلى ما يريبك" فلنخبرهم بقول الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه حفظه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكذلك حديث ابن عباس رضي الله عنهما "احفظ الله يحفظك" وقصة الحديث، وهكذا نمتعهم وننفعهم.. في الوقت نفسه الذي ننصر به رسولنا بنشر سنته وسيرته، وإن كره الحاقدون.
زاد مبارك للبيوت!
أما المواقف العملية التوجيهية من سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم مع النساء والصغار فزاد رائع ونماذج عملية لا غنى عنها، كأخذه بأذن ابن عباس رضي الله عنهما إلى اليمين لما صلى إلى يساره. وأمره بصحفة مكان التي كسرتها عائشة غيرة من زوجه الأخرى التي أرسلتها بطعام له، وغيرها من المشاهد الحية في بيت النبوة التي نستجلب باستحضارها وبثها في البيوت بركات الاتباع، ونشر العلم والهدى، ولا تسأل عن الآثار العظيمة في القلوب بعد ذلك!
حروف الختام..
قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم/6): "علموهم الخير وأدّبوهم".