كلما تعمقنا في أحداث الماضي اكتشفنا صعوبة الفصل بين الجغرافيا. والتاريخ .. فالموقع الجغرافي لأي منطقة يرسم مستقبلها الحضاري والانساني - بل والمأساوي - سواء من حيث النوع والكم.
وحين نتأمل الموقع الجغرافي للعراق - أو بلاد مابين النهرين - نكتشف أنه المحفز الأول لظهور الحضارات وتعرضه لأكبر نسبة من الحروب والغزوات (مقارنة بالدول البعيدة أو المنزوية مثلا كالبرتغال والسودان) !
فالعراق يعد معبرا أساسيا بين قارة آسيا - في الشرق - وبقية العالم في الغرب .. وهذا لوحده يفسر حتمية مرور الجيوش الغازية فوق أراضية أثناء زحفها نحو الشرق (كما في حال الإغريق والعرب) أو زحفها نحو الغرب (كما في حال الفرس والمغول) .. أضف لهذا أن موقعه الجغرافي الفريد جعله مفصل التقاء وتنازع بين أهم الشعوب والحضارات العريقة (حيث العرب في الجنوب ، والأتراك في الشمال ، والفرس في الشرق ، والروم في الغرب) ...
ليس هذا فحسب ؛ بل ان ثرواته الطبيعية (وأهمها دجلة والفرات ومكامن النفط) حولته الى منطقة جذب واستيطان بشري كثيرا ما تحولت الى مراكز اشعاع حضاري .. فعلى ضفاف دجلة والفرات نشأت أقدم الحضارات الانسانية المعروفة - حيث اخترعت الكتابة واكتشفت الزراعة .. وكانت البداية بحضارة سومر قبل 5500عام ثم حضارات الأكاديين والكاشيين والأشوريين والبابليين .. وبعد انهيار الحضارة البابلية ظهرت الحضارة الفارسية التي سيطرت على وادي الرافدين (حتى عام 331ق.م) حين قضت عليها الجيوش الاغريقية بقيادة الاسكندر الأكبر .. وفي عام 126ق.م تمكن البارثيون (من تركمانستان) من احتلال المنطقة حتى أتى الرومان الذين بقوا في حالة نزاع معهم حتى عام 227، وبعد هذا التاريخ انتعشت الحضارة الفارسية مجددا وتمكن الساسانيون من السيطرة على منطقة الرافدين طوال ال 400سنة التالية ...
وفي عام 637ميلادية حضرت حجافل الفتح الاسلامي من الجنوب (وهي جهة جديدة غير متوقعة) وهزمت الساسانيين في معركة القادسية وأضفت على المنطقة طابعها العربي والاسلامي الى اليوم . وفي أقل من مائة عام بلغت الحضارة العربية أوجها تحت ظل العباسيين حتى حضر المغول (من الشرق) ودمروا معظم معالمها الحضارية عام . 1228.وفي عام 1534استولى الأتراك العثمانيون على المنطقة وظلوا بها حتى مطلع القرن العشرين .. وفي عام 1910انتزعها منهم البريطانيون وأبقوا العراق تحت سيطرتهم المباشرة حتى عام 1932(حين أصبح دولة مستقلة) !!!
... كل هذه الحروب - وفترات الاحتلال - لم تكن ستحدث في العراق لولا موقعه الإستراتيجي وتمتعه بثروة طبيعية ونفطية هائلة - ناهيك عن امتلاكه بيئة جاذبة للاحتلال والاستيطان البشري .. وفي المقابل حين تتأمل المواقع الجغرافية لبعض الدول البعيدة والمتطرفة (مثل اليابان وبريطانيا أو عُمان واليمن) تجد أنها أقل اضطرابا وتعرضا للغزو الخارجي بفضل موقعها الجغرافي الهادئ والمنزوي - ناهيك عن فقرها الطبيعي الذي لا يغري باحتلالها أو الهجرة إليها !!
... وهذه الأيام يعيد التاريخ نفسه حيث يخضع العراق منذ ثلاثة عقود إلى حروب طاحنة وفترات نزاع واحتلال قاسية كان آخرها الاحتلال الأمريكي منذ خمس سنوات .. ولا أعتقد شخصيا أن شيئا سيتغير في المستقبل البعيد بسبب بقاء ميزتي الموقع الجغرافي والثروة الطبيعية - ناهيك عن قول المصطفى صلى الله عليه وسلم : "لن تقوم القيامة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب يقتتل الناس عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم : لعلي اكون انا الذي أنجو ".!!
للكاتب:فهد عامر الأحمدي