قال الله جل وعلا: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} (الرعد:17)
قال الشيخ صالح حفظه الله في تعليقه على هذه الآية الكريمة:
ضرب المثل أسلوب قرآني ثابت وله عدة أغراض، من أغراض ضرب المثل:
الترغيب: ومنه قول الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء) فهذا مثل ضربه الله الغرض منه الترغيب.
وقد يكون بالعكس: التنفير: كقول الله جل وعلا بعدها: (وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ).
وقد يكون السبب في ضرب المثل: المدح: كقول الله جل وعلا في النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: (...وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ...) فهذا كله ضرب مثل أراد الله به مدح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقد يكون تبيينا للحق: كما هو هذه الآية.
فالله يقول هنا إنه أنزل من السماء ماء - ماء المطر - (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا) الأودية تختلف وكل وادٍ يحمل من الماء على قدره، هذا المثل: السيل عندما يأتي يعلوه ما يحمله السيل من قطع الأخشاب والأشجار يبيض كأنه زبد، والماء الحقيقي الذي يتنفع به الناس أين؟ تحت الزبد يمشي بسكينة وهدوء ويغيض في الأرض وينفع الناس بأنه باقٍ في الأرض أما هذا العالي المتراكم المرتفع فإنه يذهب ميمنة وميسرة ويذهب جفاء لا ينتفع به أحد، وكذلك المعادن إذا أخرجت من الأرض تخرج مخلوطة فيضعها صاحبها على النار فإذا وضعها على النار ما كان ملتصقا يعلو ثم لا يلبث أن يتلاشى ويبقى صريح المعدن من ذهب أو فضة أو جوهر أو غيرهم، فالله جل وعلا يخبر أن غالب الأمور التي تراها مرتفعة عالية ذات لجج وصوت وعلو أغلبها باطل لا خير فيه وإنما الحق لأنه حق يمشي بهدوء وثبات وسكينة ويقين لأنه عالم أنه سيصل إلى منتهاه.
قال الله جل وعلا: (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ) فضرب الله الأمثال حتى تستبين للناس طرائق الهدى ومعالم الحق بكرة وأصيلا.
بارك الله في الشيخ المغامسي وحفظه من كل سوء ونفعنا جميعا بعلمه
المصدر
تأملات في سورة الرعد
اختكم في الله
وفاضت أدمعي