بسم الله الرحمن الرحيم
حكم من لم يكفّر اليهود والنصارى للشيخ ابن عثيمين رحمه الله
السؤال : سئل فضيلة الشيخ : عما زعمه أحد الوعّاظ في مسجد من مساجد أوروبا من أنه لا يجوز تكفير اليهود والنصارى ؟ .
الجواب : إن هذا القول الصادر عن هذا الرجل ضلال ، وقد يكون كفراً ، وذلك لأن اليهود والنصارى كفّرهم الله – عز وجل – في كتابه ، قال الله – تعالى – :{وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهاً وَاحِداً لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } التوبة 30-31 فدل ذلك على أنهم مشركون وبين الله – تعالى – في آيات أخرى ما هو صريح بكفرهم :
- {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ}المائدة17
- {لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ}المائدة73
- {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}المائدة78
- {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ}البينة6
والآيات في هذه المسألة كثيرة ، والأحاديث ، فمن أنكر كفر اليهود والنصارى الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وكذبوه ، فقد كذّب الله – عز وجل – وتكذيب الله كفر ، ومن شك في كفرهم فلا شك في كفره هو .
ويا سبحان الله كيف يرضى هذا الرجل أن يقول : إنه لا يجوز إطلاق الكفر على هؤلاء وهم يقولون : إن الله ثالث ثلاثة ؟ وقد كفّرهم خالقهم – عز وجل – وكيف لا يرضى أن يُكَفّر هؤلاء وهم يقولون : إن المسيح ابن الله ، ويقولون : يد الله مغلولة ، ويقولون إن الله فقير ونحن أغنياء ؟! .
كيف لا يرضى أن يكفر هؤلاء وأن يطلق كلمة الكفر عليهم ، وهم يصفون ربهم بهذه الأوصاف السيئة التي كلها عيب وشتم وسب ؟! .
وإني أدعو هذا الرجل ، أدعوه أن يتوب إلى الله – عز وجل – وأن يقرأ قول الله – تعالى –: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ }القلم9 وألا يداهن هؤلاء في كفرهم ، وأن يبيَّن لكل أحد أن هؤلاء كفار ، وأنهم من أصحاب النار ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( والذي نفسي بيده ، لا يسمع بي يهودي ولا نصراني من هذه الأمة – أي أمة الدعوة – ثم لا يتّبع ما جئت به ، أو قال : لا يؤمن بما جئت به إلا كان من أصحاب النار )) أخرجه مسلم في الإيمان (153) بنحوه .
وليأخذوا من الأجر بنصيبين ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ثلاثة لهم أجران : رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم .. الحديث )) أخرجه البخاري في العلم (97) ، ومسلم في الإيمان (153) .
ثم إني اطلعت بعد هذا على كلام لصاحب الإقناع في باب حكم المرتد قال فيه – بعد كلام سبق – : ( ... أو لم يكفّر من دان بغير الإسلام كالنصارى ، أو شك في كفرهم ، أو صحح مذهبهم فهو كافر ) .
ونقل عن شيخ الإسلام قوله : ( من اعتقد أن الكنائس بيوت الله ، وأن الله يُعبد فيها ، وأن ما يفعله اليهود والنصارى عبادة لله وطاعة له ولرسوله ، أو أنه يُحب ذلك أو يرضاه أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم ، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر ) .
وقال أيضاً في موضع آخر : ( من اعتقد أن زيارة أهل الذمة في كنائسهم قربة إلى الله فهو مرتد ) .
فعلى هذا القائل أن يتوب إلى ربه من هذا القول العظيم الفرية ، وأن يعلن إعلاناً صريحاً بأن هؤلاء كفرة ، وأنهم من أصحاب النار ، وأن الواجب عليهم أن يتبعوا النبي الأمي محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}الأعراف157 .
وهو بشارة عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام .
فقد قال عيسى ابن مريم ما حكاه ربه عنه : {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ }الصف6 .
لما جاءهم من ... ؟ من الذي جاءهم ..؟ المبشر به أحمد ، لما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين ، وبهذا نرد دعوى أولئك النصارى الذين قالوا : الذي بشر به عيسى هو أحمد لا محمد ، فنقول : إن الله قال : { فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ} ، ولم يأتكم بعد عيسى إلا محمد صلى الله عليه وسلم ومحمد هو أحمد ، لكن الله ألهم عيسى أن يسمى محمداً بأحمد لأن أحمد اسم تفضيل من الحمد ، فهو أحمد الناس لله ، جعلاً لصيغة التفضيل من باب اسم الفاعل وهو أحمد الناس ، بمعنى أحق الناس أن يُحمد جعلاً لصيغة التفضيل من باب اسم المفعول ، فهو حامد ومحمود على أكمل صيغة الحمد الدال عليها أحمد .
وإني أقول : إن كل من زعم أن في الأرض ديناً يقبله الله سوى دين الإسلام فإنه كافر لا شك في كفره ، لأن الله – عز وجل – يقول في كتابه : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ }آل عمران85 ، ويقول – عز وجل – : {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً}المائدة3 .
وعلى هذا – وأكررها مرة ثالثة – على هذا القائل أن يتوب إلى الله – عز وجل – وأن يبين للناس جميعاً أن هؤلاء اليهود والنصارى كفار ، لأن الحجة قد قامت عليهم وبلغتهم الرسالة ولكنهم كفروا عناداً .
ولقد كان اليهود يُوصفون بأنهم مغضوب عليهم لأنهم علموا الحق وخالفوه ، وكان النصارى يُوصفون بأنهم ضالون لأنهم أرادوا الحق فضلوا عنه ، أما الآن فقد علم الجميع الحق وعرفوه ، ولكنهم خالفوه ، وبذلك استحقوا جميعاً أن يكونوا مغضوباً عليهم ، وإني أدعوا هؤلاء اليهود والنصارى إلى أن يؤمنوا بالله ورسله جميعاً وأن يتبعوا محمداً صلى الله عليه وسلم لأن هذا هو الذي أُمروا به في كتبهم كمال قال الله – تعالى –: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَـاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }الأعراف156 و157 .
وقال تعالى : {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ }الأعراف158 .
وهذا يؤيد ما ذكرناه في صدر الجواب ، وهذا أمر لا إشكال فيه . والله المستعان .
(( المصدر : مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن عثيمين ج/3 ص: 18-23 )) .