بسم الله الرحمن الرحيم
عظم أمر الإفتاء عند السلف – رحمهم الله –
قال الإمام العلامة شمس الدين ابن قيم – رحمه الله – في كتابه ( بدائع الفوائد ) وهو يتكلم عن خطر التسرع في الفتيا :
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى : أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله يُسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ودَّ أن أخاه كفاه الفتيا .
وقال ابن مسعود : من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون .
وعن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه .
وقال حصين الأسدي : إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر . وعن الحسن والشعبي مثله .
وقال الحاكم : سمعت أبا عبد الله الصفار يقول : سمعت عبد الله ابن أحمد يقول : سمعت أبي يقول : سمعت الشافعي يقول : سمعت مالك ابن أنس يقول : سمعت محمد بن عجلان يقول : إذا أخطأ العالم (لا أدري) أصيبت مقاتله .
وروي ذلك بنحوه عن ابن عباس رضي الله عنهما .
وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم : لا أحسنه . فجعل الرجل يقول : إني دُفعت إليك لا أعرف غيرك ؟ فقال القاسم : لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي! والله لا أحسنه . فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه : يا ابن أخي الزمها فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم . فقال القاسم : والله لئن يقطع لساني أحب إلى من أن أتكلم بما لا أعلم .
وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون : أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما .
وكان مالك بن أنس يقول : من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار! وكيف يكون خلاصه في الآخرة . سُئل عن مسألة فقال : لا ادري . فقيل له : إنها مسألة خفيفة سهلة! ، فغضب وقال : ليس في العلم شيء خفيف! ألم تسمع قوله جل ئناؤه : {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً}المزمل5 فالعلم كله ثقيل ، وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة ، وقال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه ، مع ما رُزقوا من السداد والتوفيق مع الطهارة ، فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا؟ .
وقال عبد الرحمن بن مهدي : جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أياما ما يجيبه ، فقال : يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج ، وقد طال التردد إليك . فأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال : ما شاء الله يا هذا ، إني إنما أتكلم فيما احتسب فيه الخير ولست أحسن مسألتك هذه .
وسُئل الشافعي عن مسألة ، فسكت فقيل له : ألا تجيب يرحمك الله . فقال : حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب .
وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا ، ولا يقول شيئا ، إلا قال : اللهم سلمني وسلم مني .
وقال سحنون : أشقى الناس من باع آخرته بدنياه ، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره! . فقال : تفكرت فيه وجدته المفتي ، يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته فيقول له : لا شيء عليك ، فيذهب الحانث فيستمتع بامرأته ورقيقته وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا .
وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة ، فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام ، فقال : مسألتي أصلحك الله اليوم ثلاثة أيام ، فقال له : وما أصنع بمسألتك؟ مسألتك معضلة وفيها أقاويل ، وأنا متحير في ذلك . فقال : وأنت أصلحك الله لكل معضلة! فقال سحنون : هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لحمى ودمي للنار ، وما أكثر ما لا أعرف ، إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك ، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض تجاب في مسألتك في ساعة ، فقال : إنما جئت إليك ولا استفتي غيرك ، قال : فاصبر ثم أجابه بعد ذلك .
وقيل له : إنك تُسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها فتتوقف فيها ، فقال : إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنه المال .
وقال بعض العلماء : قلّ من حرص على الفتوى ، وسابق إليها ، وثابر عليها ، قلّ توفيقه واضطرب في أمره وإن كان كارهاً لذلك غير مختار له ، ما وجد مندوحة عنه ، وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره ، كانت المعونة له من الله أكثر ، والصلاح في جوابه وفتاواه أغلب .
وقال بشر الحافي : من أحب أن يسأل فليس بأهل أن يُسأل .
وذكر أبو عمر عن مالك : أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة فوجده يبكي ، فقال : ما يُبكيك ؟ أمصيبة دخلت عليك ؟ وارتاع لبكائه . فقال : لا ، ولكن أُستفتي من لا علم له ، وظهر في الإسلام أمر عظيم .
قال ربيعة ولبعض من يفتي ههنا أحق بالحبس من السراق . أهـ .
والله أعلم
وصلى الله وسلم على نبينا محمد
تحرير : ( أبو موضي ) .