(1)
شبهة أن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- كان يمص لسان عائشة-رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- وهو صائم
للرد على هذه الشبهة نقول :
أولاً : ما صحة الحديث الوارد أن النَّبيّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- كان يقبل نسائه وهو صائم ويمص لسان عائشة رَضِيَ اللهُ عَنْهُا؟
وللجابة نقول : بأن الحديث أخرجه الإمام أبو داود ، وقال ابن الأعرابي : بلغني عن ابن داود أنه قال : إسناده ليس بصحيح حاشية ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي (7/10)
وأخرجه أحمد في المسند والتقى في اسناديه مع أبي داود في محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع عن عائشة. وتقبيله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لنسائه _ وهو صائم _ صحيح . أما قوله : ((ويمص لسانها)) فيقول ابن القيم رحمه الله:
((وقال عبد الحق : لا تصح هذه الزيادة في مص اللسان لأنها من حديث محمد بن دينار عن سعد بن أوس ولا يحتج بهما . حاشية ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي (7/10) وبنحوه هذا قول الخطابي رحمه الله . وقد أورد العلامة الألباني الحديث في ضعيف سنن أبي داود. انظرضعيف أبي داود برقم 515 قلت : وبعد هذا يتبين أن المغرضون وأعداء الإسلام دائماً يستدلون بما هو ضعيف وموضوع لكي يشوهوا صورة النَّبيّ –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ – ويقدحوا بالرسالة الخالدة ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون انتهى
أهم المصادر والمراجع:
1. حاشية ابن القيم محمد بن أبي بكر الزرعي (7/10)
2. انظرضعيف أبي داود برقم 515
3. الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية _دراسة وتحقيق د : سالم القرني _ مكتبة العبيكان
(2)
شبهة أن نبينا (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) يحتاج إلى من يصلى عليه
الرد على الشبهة:
الحق أن الصلاة على محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) من ربه ومن المؤمنين ليست دليل حاجة بل هي مظهر تكريم واعتزاز وتقديرٌ له من الحق سبحانه وتقدير له من أتباعه ، وليست كما يزعم الظالمون لسد حاجته عند ربه لأن ربه قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. لأن أي مقارنة منصفة بين ما كان عليه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وبين غيره من أنبياء الله ورسله ترتفع به ليس فقط إلى مقام العصمة ؛ بل إلى مقام الكمال الذي أتم به الله الرِّسالات ، وأتم به التنزيل ، وأتم به النعمة ، فلم تعد البشرية بعد رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بحاجة إلى رسل ورسالات. لذلك فإن رسالته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وهى الخاتمة والكاملة حملت كل احتياجات البشرية وما يلزمها من تشريعات ونظم ومعاملات وما ينبغي أن تكون عليه من أخلاق وحضارة مما افتقدت مثل كماله كل الرسالات السابقة. وحسب رسالة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أنها جاءت رحمة عامة للبشرية كلها كما قال القرآن: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء: 107. يقول ابن عباس (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) فإن الله تعالى بعث محمدا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ رحمة للعالمين ونعمة للناس فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة ومن ردها وكفرها دخل النار. تفسير ابن كثير(2/539) فلم تكن كما جاء ما قبلها رسالة خاصة بقوم رسولهم كما قال تعالى: { وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } الأعراف: 65. { وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللّهِ وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوَءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} الأعراف: 72. { وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ } الأعراف: 85. وهكذا كل رسول كان مرسلاً إلى قومه..كانت رسالة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) إلى العالمين وإلى الناس كافة كما جاء في قوله تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء: 107، { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} سبأ: 28. يقول القرطبي –رحمه الله- في تفسيره: أي وما أرسلناك إلا للناس كافة أي عامة ففي الكلام تقديم وتأخير وقال الزجاج أي وما أرسلناك إلا جامعا للناس بالإنذار والإبلاغ والكافة بمعنى الجامع وقيل معناه كافا للناس تكفهم عما هم فيه من الكفر وتدعوهم إلى الإسلام والهاء للمبالغة وقيل أي إلا ذا كافة أي ذا منع للناس من أن يشذوا عن تبليغك أو ذا منع لهم من الكفر ومنه. تفسير القرطبي(14/300) . ورسالة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) كانت فوق كونها عالمية فقد كانت هي الخاتمة والكاملة التي ـ كما أشرنا ـ تفي باحتياجات البشر جميعاً وتقوم بتقنين وتنظيم شئونهم المادية والمعنوية عبر الزمان والمكان بكل ما فيه خيرهم في الدنيا والآخرة. وفى هذا قال الله تعالى: { مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبيّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا} الأحزاب: 40. وقال في وصفه لإكمال الدين برسالة محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) (الإسلام): { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا } (3). إن عموم رسالة محمد إلى العالمين ، وباعتبارها الرسالة الكاملة والخاتمة ؛ يعنى امتداد دورها واستمرار وجودها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها مصداقاً لقوله تعالى: { هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} التوبة: 33 ـ الفتح: 28 ـ والصف: 9.
أهم المصادر والمراجع:
1. تفسير القرطبي (14/300)
2. تفسير ابن كثير(2/539)
(3)
شبهة إصابة النَّبيِّ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بالسحر
إن الله-سبحانه وتعالى-يبتلي رسله(عليهم الصلاة والسلام)بأنواع البلاء، فيزداد بذلك أجرُهم،ويعظم ثوابهم،فقد ابتلى رسله بتكذيب أقوامهم لهم،ووصل إيذاؤهم إليهم،وابتلى بعض الرسل بالمرض،ومن الابتلاء الذي أوذي به الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)ما أصابه من السحر، روى الإمام البخاري في صحيحه عن عائشة-رَضِيَ اللهُ عَنْها- أن رجلاً من بني زريق يُقَالُ له:لبيد بن الأعصم سحر رسولَ اللهِ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)،حتى كان رسولُ اللهِ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) يخيل إليه أنه كان يفعل الشيء وما فعله البخاري باب السحر (5/2147) برقم 5430 .إلا أنَّ هناك بعضَ العُلماءِ(1) أو من ينتسب إلى العلم أنكروا هذا الحديثَ،وردُّوه رَدَّاً مُنكراً بدعوى أنه مناقضٌ لكتابِ اللهِ الذي برَّأ الرَّسولَ من السحر فمن هؤلاء العلماء ( الجصَّاص ) في كتابه أحكام القرآن: 1 : 49 حيث قال :{ ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعباً بالحشو الطغام...} ومنهم ( أبو بكر الأصم ) حيث قال : { إن حديث سحره (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) المروي هنا متروك لما يلزمه من صدق قول الكفرة أنه مسحور ، وهو مخالف لنص القرآن حيث أكذبهم الله -سبحانه وتعالى- . . } نقله عنه "شارح المجموع" (19/242). ومنهم الشيخ جمال الدين القاسمي في تفسيره المسمَّى محاسن التأويل حيث قال: { ولا غرابة في أن لا يقبل هذا الخبر لما برهن عليه ، وإن كان مخرجاً في الصحاح ؛ وذلك لأنه ليس كل مخرج فيها سالماً من القدح والنقد سنداً أو معنى كما يعرفه الراسخون... }
وقال الشيخ محمد عبده :{ وقد ذهب كثير من المقلدين الذين لا يعقلون ما النبوة ، ولا ينبغي لها إلى أن الخبر بتأثير السحر قد صح .... وقال أيضاُ : وهو
مما يصدق فيه المشركين :{ إن تتبعون إلا رجلاً مسحوراً } الفرقان،الآية: 8 .
وقد أجاب كثير من العلماء عن هذه الشبهة,وبينوا زيفها بالآتي:
أولاً : من المعلوم أن الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بشر ، فيجوز أن يصيبه ما يصيب البشر من الأوجاع والأمراض وتعدي الخلق عليه وظلمهم إياه كسائر البشر إلي أمثال ذلك مما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبعثْ لأجلها،ولا كانت الرسالة من أجلها,فإنه -عليه الصلاة والسلام- لم يعصم من هذه الأمور ، وقد كان (عليه الصلاة والسلام) يصيبه ما يصيب الرسل من أنواع البلاء وغير ذلك ، فغير بعيد أن يُصابَ بمرض أو اعتداء أحد عليه بسحر ونحوه يخيل إليه بسببه في أمور الدنيا ما لا حقيقة له ، كأن يخيل إليه أنه وطىء زوجاته وهو لم يطأهن ، و حدث أنه جاء للرسول(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)أحد الصحابة يعودُهُ قائِلاً له : { إنك تُوعَك يا رسول الله فقال : إني أُوعَك كما يُوعَك الرَّجُلانِ منكم }. مسلم –باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها (4/1991) برقم 2571 .إلا أن الإصابة أو المرض أو السحر لا يتجاوز ذلك إلي تلقي الوحي عن الله-سبحانه وتعالى- ولا إلي البلاغ عن ربه إلي الناس؛لقيام الأدلة من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على عصمته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) في تلقي الوحي وإبلاغه وسائر ما يتعلق بشؤون الدين .والذي وقع للرسولِ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)من السِّحر هو نوعٌ من المرضِ الذي يتعلَّق بالصِّفات والعوارضِ البشريةِ والذي لا علاقةَ له بالوحي وبالرِّسَالة التي كُلِّف بإبلاغِها،لذلك يظن البعضُ أنَّ ما أصابَ الرَّسولَ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)من السحر هو نقص وعيب, وليس الأمرُ كما يظنون؛لأن ما وقع له هو من جنس ما كان يعتريه من الأعراضِ البشريةِ كأنواع الأمراض والآلام ونحو ذلك، فالأنبياء- صلوات الله وسلامه- عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشرَ كما قال الله- سبحانه وتعالى-: { قالت رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده } سورة إبراهيم : 11
واستدلَّ ابنُ القَصَّار على أنَّ الذي أصابه كانَ من جنس المرضِ بقول الرسول في حديث آخر:{ أما أنا فقد شفاني الله } البخاري-باب صفة إبليس وجنوده (3/1192) برقم 3095 .ويؤيد ذلك حديث ابن عباس عند ابن سعد : { مرض النَّبيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وأخذ عن النساء والطعام والشراب ، فهبط عليه ملكان }. فتح الباري بشرح صحيح البخاري(10/227)
قال المازري في-"شرح صحيح مسلم"-:{ إن الدليل قد قام على صدق النَّبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)فيما يبلغه عن الله-سبحانه وتعالى-وعلى عصمته في التبليغ ، والمعجزات شاهدات بتصديقه،وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يُبعثْ لأجلها,ولا كانت الرسالةُ من أجلها فهو في ذلك عُرضةٌ لما يعتري البشرَ كالأمراضِ،فغيرُ بعيدٍ أنْ يُخيَّلَ إليه أنه وطىء زوجاته ولم يكنْ وطئهن،وهذا كثيراً ما يقع تخيله للإنسان في المنام،فلا يَبْعُد أنْ يُخيَّل إليه في اليقظة . قال القاضي عياض-رحمه الله-:{ قد نَزَّه اللهُ-سبحانه وتعالى-الشَّرع والنَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- عَمَّا يُدخل في أمرِهِ لَبْساً،وإنما السِّحرُ مرضٌ من الأمراضِ وعارضٌ من العِللِ يجوز عليه كأنواع الأمراض مما لا ينكر ولا يقدح في نبوته. وأما ما ورد أنه كان يخيل إليه أنه فعل الشيء ولا يفعله ، فليس في هذا ما يدخل عليه داخلة في شيء من تبليغه وشريعته ، أو يقدح في صدقه لقيام الدليل ، والإجماع على عصمته من هذا ، أما ما يجوز طروه عليه في أمر دنياه التي لم يُبعث بسببها ، ولا فُضِّل من أجلها ، وهو فيها عُرْضةٌ للآفاتِ كسائرِ البشرِ، فغيرُ بعيدٍ أنْ يُخيَّلَ إليه من أمورِها ما لا حقيقة له،ثم ينجلي عنه كما كان. وجاء في مُرسَلِ عبدِ الرَّحمنِ بن كعبٍ عند ابنِ سعدٍ أنَّ أخت لبيد بن الأعصم قالت : إن يكن نبياً فسيُخْبَر،و إلا فسيُذهله هذا السِّحرُ حتى يذهبَ عقلُهُ فوقع الشق الأول.
ثانياً : أما دعواهم أن السحر من عمل الشيطان,والشيطان لا سلطان له على عباد الله؛ لأن الله يقول : { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } الحجر، الآية: 42
فنقول: إن المراد من قوله-سبحانه وتعالى-:{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } أي في الإغواء والإضلال, فالسلطان المثبت للشيطان هو سلطان إضلاله لهم بتزيينه للشر والباطل وإفساد إيمانهم ،قال بعض العلماء في الآية : يعني على قلوبهم,وقال ابن عيينة: أي في أن يلقيهم في ذنب؛ يمنعهم عفوي, ويُضيِّقُهُ عليهم,وهؤلاء الذين هداهم الله واجتباهم واختارهم واصطفاهم . تفسير الإمام القرطبي (10/18) .فهذه الآيةُ كقولِهِ-سبحانه وتعالى-حكاية عن الشيطان في مخاطبته رب العزة:{ لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين } ولا ريب أن الحالة التي تعرض لها الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لا تنطبق عليها هذه الآية الكريمة. ولا شك أن إصابة الشيطان للعبد الصالح في بدنه لا ينفيه القرآن ،وقد جاء في القرآن ما يدل على إمكان وقوعها،ومن ذلك قول أيوب عليه السلام في دعائه ربه : { أني مسني الشيطان بنُصب وعذاب } سورة، ص الآية: 41 . وموسى عليه السلام من أولي العزم من الرسل ، وقد خُيِّل إليه عندما ألقى السحرةُ عِصيَّهم أنها تسعى:{ فأوجس في نفسه خيفة موسى } سورة طه : 67 فهذا التخيل الذي وقع لموسى يُطابق التخيلَ الذي وقع للرسولِ(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)،إلا أنَّ تأثير السِّحرِ كما قررنا لا يُمكن أنْ يصلَ إلي حَدِّ الإخلالِ في تلقِّي الوحي والعمل به وتبليغه للناسِ؛لأنَّ النُّصوصَ قد دلَّتْ على عِصْمةِ الرُّسُلِ في ذلك .
ثالثاً : نريد أن نسأل النصارى سؤالاً :
إذا كنتُم تعتقدون أنَّ ما أصاب النَّبيَّ مُحمَّداً(عليهِ أفضلُ الصَّلاةِ وأتمُّ التَّسليمِ) على أيدي اليهود من السحر,والذي قررنا أنه لم يكن له تأثير في دينه وعبادته ، ولا في رسالته التي كُلِّفَ بإبلاغِها، إذا كنتم تعتقدون أن ما أصابه هو قدح و طعن في نبوته فهل يعني ذلك أنكم أسقطتم أنبياء كتابكم المقدس الذي نصَّ على أنهم عُصَاةٌ زُنَاةٌ كُفَّارٌ؟! ألم يرد في كتابكم المقدس أن نبي الله سليمان كفر وعبد الأوثان وهو نبي من أنبياء الله سفر الملوك الأول
فهل أسقطتم نبوة سليمان,وهل ما أقدم عليه النَّبيُّ سليمان من السجود للأوثان والكفر بالله –بزعمكم-هو أمر مُوجِبٌ للطعن في نُبوته ومسقطاً لها؟!
وإذا كان ما قام به النَّبيُّ سليمان من السجود للأوثان والكفر بالله–بزعمكم- هو أمر لا يُوجِبُ الطعن في نبوته و لا يسقط نبوته عندكم ، فكيف تعتبرون ما أصاب النَّبيَّ محمداً(صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)من السحر الذي لم يكن له تأثير في دينه وعبادته ولا في رسالته التي كُلِّفَ بإبلاغِها هو أمر موجب للطعن في نبوته ؟ أخبرونا من فضلكم... فسبحان الله العظيم ,كيف تفكرون؟! وبأي منطق تتكلمون؟! وعلى أي أساس تحكمون؟! وإن لله وإنا إليه راجعون ... وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
من أهم المصادرِ والمراجعِ:
1. أحكام القرآن: للجصاص (1/49) .
2. محاسن التأويل: لجمال الدين القاسمي
3. فتح الباري بشرح صحيح البخاري (10/227)
4. تفسير الإمام القرطبي (10/18)
(4)
شبهة طمع النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بالغنائم والدنيا
من الشبه التي أثارها أعداء الإسلام والمسلمين ، وروَّجوا لها كثيراً بهدف تشويه شخصية نبينا ومصطفانا محمدٍ (عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم) ، للوصول إلى الطعن في دعوته ، وإبعاد الناس عنها ، ما يدَّعونه من أنه كان صاحب مطامع دنيوية ، لم يكن يظهرها في بداية دعوته في مكة ، ولكنه بعد هجرته إلى المدينة بدأ يعمل على جمع الأموال والغنائم من خلال الحروب التي خاضها هو وأصحابه ، ابتغاء تحصيل مكاسب مادية وفوائد معنوية . وممن صرح بذلك "دافيد صمويل مرجليوت " المستشرق الإنجليزي اليهودي ، حيث قال : "عاش محمد هذه السنين الست بعد هجرته إلى المدينة على التلصص والسلب والنهب ...وهذا يفسر لنا تلك الشهوة التي أثرت على نفس محمد ، والتي دفعته إلى شن غارات متتابعة ، كما سيطرت على نفس الإسكندر من قبل ونابليون من بعد " .
فنقول:
بأن الناظر بعين البصيرة في سيرته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بعين العقل والبصيرة ، والمتأمل في تاريخ دعوته، يعلم علم اليقين أنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يكن يسعى من وراء كل ما قام به إلى تحقيق أي مكسب دنيوي، يسعى إليه طلاب الدنيا واللاهثون وراءها ، فسبحان الله كيف تحكمون!!
وهذا رد إجمالي على هذه الشبهة، أما الرد التفصيلي فبيانه فيما يلي :
1. أن ما ذُكر في هذه الشبهة لا يوجد عليه دليلٌ في واقع حياة رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) ، إذ لو كان كما قيل لعاش عيش الملوك ، في القصور والبيوت الفارهة ، ولاتخذ من الخدم والحرس والحشم ما يكون على المستوى المتناسب مع تلك المطامع المزعومة ، بينما الواقع يشهد بخلاف ذلك، إذ كان في شظف من العيش، مكتفياً بما يقيم أود الحياة ، وكانت هذه حاله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) منذ أن رأى نور الحياة إلى أن التحق بالرفيق الأعلى.. ، يشهد لهذا أنّ بيوته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) كانت عبارة عن غرف بسيطة لا تكاد تتسع له ولزوجاته . وكذلك الحال بالنسبة لطعامه وشرابه ، فقد كان يمر عليه الشهر والشهران لا توقد نارٌ في بيته ، ولم يكن له من الطعام إلا الأسودان - التمر والماء- ، فعن عائشة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا) قالت لعروة : ( ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) نارٌ، فقلت: يا خالة ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء ) مسلم: كتاب الزهد والرقائق (4/2286 وسيرته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) حافلة بما يدل على خلاف ما يزعمه الزاعمون
2. ثم إن هذه الشبهة تتناقض مع الزهد الذي عُرف به النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) ، وحث عليه أصحابه ، فقد صح عنه أنه قال : (( إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها )) رواه الإمام البخاري باب الصدقة على اليتامى (2/532) ، وقرن في التحذير بين فتنة الدنيا وفتنة النساء ، فقال (عليه الصلاة والسلام) : (( إن الدنيا حلوة خضرة ، وإن الله مستخلفكم فيها ، فينظر كيف تعملون ، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ، فإن أول فتنة بنى إسرائيل كانت في النساء )) رواه مسلم باب أكثر أهل الجنة الفقراء وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء (4/2098) .
فالدنيا حلوة خضرة أي مشتهاة مونقة تعجب الناظرين فمن استكثر منها أهلكته كالبهيمة إذا أكثرت من رعي الزرع الأخضر أهلكها ففي تشبيه الدنيا بالخضرة التي ترعاها الأنعام إشارة إلى أن المستكثر منها كالبهائم فعلى العاقل القنع بما تدعو الحاجة منها وتجنب الإفراط والتفريط في تناولها فإنه مهلك وهذا الحديث رواه مسلم بزيادة ولفظه (الدنيا حلوة خضرة وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) ا.هـ بنصه والاستخلاف إقامة الغير مقام النفس أي جعل الله الدنيا مزينة لكم ابتلاء لكم فينظر هل تتصرفون فيها بغير ما يرضاه وقوله فاتقوا أي احذروا من الاغترار بما فيها فإنه في وشيك الزوال واحذروا النساء فيض القدير عبد الرؤوف المناوي (3/544) قلت : فهذا هو كلام النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) فهل يجدر بعاقل بعد هذا الذم الصريح للدنيا أن يقول أن النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) كان يحب الدنيا أو الغنائم فسبحان الله كيف تحكمون .
3. ومما يدحض هذه الشبهة وينقضها من أساسها أن أهل مكة عرضوا على رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) المال والملك والجاه من أجل أن يتخلى عن دعوته ، فرفض ذلك كله ، وفضل أن يبقى على شظف العيش مع الاستمرار في دعوته ، ولو كان من الراغبين في الدنيا لما رفضها وقد أتته من غير عناء
4. أنّ الوصايا التي كان يزود بها قواده تدل على أنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يكن طالب مغنم ولا صاحب شهوة، بل كان هدفه الأوحد والوحيد إبلاغ دين الله للناس ، وإزالة العوائق المعترضة سبيل الدعوة ، فها هو (عليه الصلاة والسلام) يوصي معاذ بن جبل (رضي الله عنه) عندما أرسله إلى اليمن بقوله :
(( إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إلى أن يوحدوا الله تعالى ، فإذا عرفوا ذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم ، فإذا صلوا فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم تؤخذ من غنيهم فترد على فقيرهم ، فإذا أقروا بذلك فخذ منهم وتوق كرائم أموال الناس )) رواه الإمام البخاري باب ما جاء في دعاء النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أمته إلى توحيد الله تبارك وتعالى (6/2685) . فهو (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يقاتل أحداً ، قبل دعوته إلى الإسلام ، الذي تصان به الدماء والحرمات
5. ومما يُرد به على هذه الفرية أن رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) قد ارتحل من الدنيا ولم يكن له فيها إلا أقل القليل ، ففي الصحيح عن عمرو بن الحارث قال : ( ما ترك رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) عند موته درهماً ، ولا ديناراً ، ولا عبداً ، ولا أمة ، ولا شيئاً إلا بغلته البيضاء ، وسلاحه وأرضاً جعلها صدقة ) رواه الإمام البخاري –كتاب الوصايا-باب الوصايا وقول النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وصية الرجل مكتوبة عنده (3/1005)
وعن عائشة أم المؤمنين رَضِيَ اللهُ عَنْهُا قالت : ( توفي رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وما في بيتي من شيء يأكله ذو كبد ، إلا شطر شعير في رف لي ) البخاري-باب فضل الفقر (5/2370)
6. وكما قيل : فإن الحق ما شهدت به الأعداء ، فقد أجرى الله على ألسنة بعض عقلاء القوم عبارات تكذب هذه الشبهة ، من ذلك ما قاله "كارليل" : "أيزعم الكاذبون أن الطمع وحب الدنيا هو الذي أقام محمداً وأثاره ، حمق وأيـم الله ، وسخافة وهوس " . ويقول : "لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه ، ومأكله ، ومشربه ، وملبسه ، وسائر أموره وأحواله ...فحبذا محمد من رجل خشن اللباس ، خشن الطعام ، مجتهد في الله ، قائم النهار ، ساهر الليل ، دائباً في نشر دين الله ، غير طامع إلى ما يطمع إليه أصاغر الرجال ، من رتبة ، أو دولة ، أو سلطان ، غير متطلع إلى ذكر أو شهوة " .
7. وما زعمه المستشرقُ اليهوديُّ "مرجليوت" من أنَّ انتقامَ رسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) من يهودِ المدينةِ كان لأسباب مصطنعة وغير كافية، فجوابه أن الواقع خلاف ذلك، إذ أبرم النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) مع اليهود معاهدة تقرهم على دينهم، وتؤمنهم في أنفسهم وأموالهم ، بل تكفل لهم نصرة مظلومهم ، وحمايتهم ، ورعاية حقوقهم ، ولم يكن في سياسته (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) إبعادهم ، ومصادرة أموالهم إلا بعد نقضهم العهود والمواثيق ، ووقوعهم في الخيانة والمؤامرة
وخلاصة القول :
نؤكد بأنه لا حُجَّة لمن يدعي أنَّ النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) كان صاحب مطامع دنيوية ، يحرص عليها ، ويسعى في تحصيلها ، وإنما هي دعوة صالحة نافعة ، تعود بالخير على متبعيها في الدنيا والآخرة ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والله تعالى أعلم ,والحمد لله رب العالمين .
من أهم المصادر والمراجع:
1. فيض القدير عبد الرؤوف المناوي (3/544
(5)
شبهة أن النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) طلق سودة لأنها أسنت
اعترض النصارى والمستشرقون بان رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) طلق أم المؤمنين سودة لمجرد أنها أسنت و استدلوا استدلال خاطىء بما جاء في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَة بِنْت زَمْعَة وَهَبَتْ يَوْمهَا لِعَائِشَة فَكَانَ النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) يَقْسِم لَهَا بِيَوْمِ سَوْدَة . مسلم-كتاب الرضاع-باب جواز هبتها نوبتها لضرتها برقم 1463 . وأخرج الإمام البخاري في صحيحه عن عروة قال:لَمَّا أَنْزَلَ اللَّه فِي سَوْدَة وَأَشْبَاههَا : {وَإِنْ اِمْرَأَة خَافَتْ مِنْ بَعْلهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} وَذَلِكَ أَنَّ سَوْدَة كَانَتْ اِمْرَأَة قَدْ أَسَنَّتْ فَفَرَقَتْ أَنْ يُفَارِقهَا رَسُول اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وَضَنَّتْ بِمَكَانِهَا مِنْهُ وَعَرَفَتْ مِنْ حُبّ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) عَائِشَة وَمَنْزِلَتهَا مِنْهُ فَوَهَبَتْ يَوْمهَا مِنْ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لِعَائِشَة فَقَبلَ ذَلِكَ رَسُول اللَّه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ). صحيح البخاري-كتاب النكاح-باب المرأة تهب يومها من زوجها لضرتها وكيف يقسم برقم 5212
الرد على الشبهة :
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله أما بعد : من المعلوم أن زواج رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) من سودة –رَضِيَ اللهُ عَنْهُا- كان من الأساس زواج رحمة و رأفة لا زواج رغبة فقد تزوجها رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) و هي في السادسة و الستين من عمرها و كانت قد أسلمت مع زوجها و هاجرا إلى الحبشة فراراًً من أذى الجاهلين من قريش و مات بعد أن عادا و كان أهلها لا يزالون على الشرك فإذا عادت إليهم فتنوها في دينها فتزوجها رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لحمايتها من الفتنة و لكن بعد زمن وصلت أم المؤمنين إلى درجة من الشيخوخة يصعب معها على رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أن يعطيها كامل حقوقها و فأراد تطليقها أيضاً رأفةً بها كي لا يذرها كالمعلَّقة و كي لا يأتي الجهال في عصرنا و يقولوا أن الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يكن يعدل بين أزواجه فقالت رَضِيَ اللهُ عَنْهُا: (فإني قد كبرت و لا حاجة لي بالرِّجال و لكنى أريد أن اُبعث بين نسائك يوم القيامة) فأنزل الله تعالى : { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} سورة النساء ، الآية 128
ذكر أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا أبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد ابن عرعرة عن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أن رجلا سأله عن هذه الآية فقال هي المرأة تكون ثم الرجل فتنبو عيناه عنها من دمامتها أو فقرها أو كبرها أو سوء خلقها وتكره فراقه فإن وضعت له من مهرها شيئاً حل له أن يأخذ وإن جعلت له من أيامها فلا حرج وقال الضحاك لا بأس أن ينقصها من حقها إذا تزوج من هي أشب منها وأعجب إليه تفسير الإمام القرطبي (5/404)
وعلمتنا هذه الآية الكريمة أيضاً: المباركة أن إذا امرأة خافت من زوجها أن ينفر عنها أو يعرض عنها فلها أن تسقط عنه بعض حقوقها سواءً نفقة أو كسوة أو مبيت و له أن يقبل ذلك فلا حرج عليها في بذلها ذلك له و لا حرج عليه في قبوله ، فراجعها رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) و كان يحسن إليها كل الإحسان. والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .
من أهم المصادر والمراجع:
1. تفسير الإمام القرطبي (5/404)
(6)
شبهة أن النَّبيّ أخذ القرآن عن اليهود والنصارى
قال المستشرقون: أن محمداً (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أخذ القرآن ، وأصول دينه، وأخبار الأنبياء والمرسلين عن الراهب بحيرا عندما لقيه في الشام ، وعن ورقة بن نوفل الذي كان من متنصرة العرب العلماء بالنصرانية وأحد أقرباء خديجة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا)، وعن الغلام الرومي الأعجمي الذي كان يعمل حداداً في مكة المكرمة. وهذه الادعاءات ليست جديدة ، والمستشرقون يرددون أقوال المشركين في مكة واليهود في المدينة قال تعالى { وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلاًَ} سورة الفرقان، الآية: 5 . وقال سبحانه { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وها لسان عربي مبين} سورة النحل، الآية: 103 .
وقد كفانا العلاَّمة الزُرقاني –رحمه الله- في رده على هؤلاء الكافرين ودحض شبهاتهم. قال (رحمه الله):
1. إن هذه الدعوة مجردة من الدليل ، خالية من التحديد والتعيين ، ومثل هذه الدعاوي لا تقبل مادامت غير مدللة ، و إلا فليخبرونا ما الذي سمعه محمد –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- من بحيرا الراهب ؟ ومتى كان ذلك؟ وأين كان ذلك؟؟
2. إن التاريخ لا يعرف أكثر من أنه –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- سافر إلى الشام في تجارة مرتين، مرة في طفولته ومرة في شبابه، ولم يسافر غير هاتين المرتين، ولم يجاوز سوق بصرى فيهما، ولم يسمع من بحيرا ولا من غيره شيئا من الدين ، ولم يكن أمره سرا هناك بل كان معه شاهد في المرة الأولى وهو عمه أبو طالب ، وشاهد في المرة الثانية وهو ميسرة غلام خديجة التي خرج الرسول بتجارتها أيامئذ ، وكل ما هنالك أن بحيرا رأى سحابة تظلله –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- من الشمس ، فذكر لعمه أن سيكون لهذا الغلام شأن ، ثم حذره عليه من اليهود ، وقد رجع به عمه خوفاً عليه ولم يتم رحلته. كذلك رُوي هذا الحديث من طرق في بعض أسانيدها ضعف ، ورواية الترمذي ليس فيها اسم بحيرا، وليس في شيء من الروايات أنه صلى الله عليه وسلام سمح من بحيرا الراهب أو تلقى منه درساً واحداً أو كلمة واحدة لا في العقائد ولا في العبادات ولا في المعاملات ولا في الأخلاق ، فأنى يؤفكون؟
3. إن تلك الروايات التاريخية نفسها تحيل أن يقف هذا الراهب موقف المعلم لمحمد –صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- لأنه بشره أو بشر عمه بنبوته، وليس بمعقول أن يؤمن رجل بهذه البشارة التي يزفها ثم ينصب نفسه أستاذاً لصاحبها الذي سيأخذ عن الله ويتلقى من جبريل ويكون هو أستاذ الأستاذين وهادي الهداة والمرشدين و إلا كان هذا الراهب متناقضاً مع نفسه.
4. إن بحيرا الراهب لو كان مصدر هذا الفيض الإسلامي المعجز لكان هو الأحرى بالنبوة والرسالة والانتداب لهذا الأمر العظيم.
5. إنه من المستحيل في مجرى العادة أن يتم إنسان على وجه الأرض تعليمه وثقافته ثم ينضج النضج الخارق للمعهود فيما تعلم وتثقف ، بحيث يصبح أستاذ العلم كله لمجرد أنه لقي مصادفة واتفاقاً راهباً من الرهبان مرتين، على حين أن هذا التلميذ كان في كلتا المرتين مشتغلا عن ا التعليم بالتجارة ، وكان أمياً لا يعرف القراءة ولا الكتابة ، وكان صغيراً تابعاً لعمه في المرة الأولى ، وكان حاملا لأمانة ثقيلة في عنقه لا بد أن يؤديها في المرة الثانية ، وهي أمانة العهد والإخلاص في مال خديجة وتجارتها.
6. إن طبيعة الدين الذي ينتمي إليه الراهب بحيرا، تأبى أن تكون مصدراً للقرآن وهدايته ، خصوصا بعدما أصاب ذلك الدين ما أصابه من تغيير وتحريف. وحسبك أدلة على ذلك أن القرآن قد صور علوم أهل الكتاب في زمانه بأنها الجهالات ثم تصدى لتصحيحها، وصور عقائدهم بأنها الضلالات ثم عمل على تقويمها ، وصور أعمالهم بأنها المخازي والمنكرات ثم حض على تركها ، ثم تذكر أن فاقد الشيء لا يعطيه ، وأن الخطأ لا يمكن أن يكون مصدراً للصواب، وأن الظلام لا يمكن أن يكون مشرقاً للنور.
7. إن أصحاب هذه الشبهة من الملاحدة يقولون: إن القرآن هو الأثر التاريخي الوحيد الذي يمثل روح عصره أصدق تمثيل. فإذا كانوا صادقين في هذه الكلمة فإننا نحاكمهم في هذه الشبهة إلى القرآن نفسه، وندعوهم ليقرأوا ولو مرة واحدة بتعقل ونَصْفِه ، ليعرفوا منه كيف كانت الأديان وعلماؤها وكُتَّابها في عصره؟ وليعلموا أنها ما كانت لتصلح لأستاذية رشيدة، بل كانت هي في أشد الحاجة إلى أستاذية رشيدة. إنهم إن فعلوا ذلك فسيستريحون ويريحون الناس من هذا الضلال والزيغ ، ومن ذلك الخبط والخلط، هدانا وهداهم الله فإن الهدى الهدى هداه { ومن لم يجعل الله له نوارا فما له من نور}
8. إن هذه التهمة لو كان لها نصيب من الصحة ، لفرح بها قومه وقاموا لها وقعدوا لأنهم كانوا أعرف الناس برسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)، وكانوا أحرص الناس على تبهيته وتكذيبه وإحباط دعوته بأية وسيلة ، ولكنهم كانوا أكرم على أنفسهم من هؤلاء الملاحدة فحين أرادوا طعنه بأنه تعلم القرآن من غيره لم يفكروا أن يقولوا أنه تعلم من بحيرا الراهب كما قال هؤلاء لأن العقل لا يصدق ذلك والهزل لا يسعه ، بل لجأوا إلى رجل في نسبه الأستاذية إليه شيء من الطرافة والهزل، حتى إذا مجت العقول نسبة الأستاذية إليه لاستحالتها ، قبلتها النفوس لهزلها وطرافتها ، فقالوا : إنما يعلمه بشر ، وأرادوا بالبشر حداداً رومياً منهمكاً بين مطرقته وسندانه ، ظالاً طول يومه في خبث الحديد وناره ودخانه، غير أنه اجتمع فيه أمران حسبوهما مناط ترويج تهمتهم أحدهما: أنه مقيم بمكة إقامة تيسر لمحمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) الاتصال الدائم الوثيق به ، والتلقي عنه ، والآخر : غريب عنهم وليس منهم ، ليخيِّلوا إلى قومهم أن عند هذا الرجل علم مالم يعلموا هم ولا آباؤهم فيكون ذلك أدنى إلى التصديق بأستاذيته لمحمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ)، وغاب عنهم أن الحق لا يزال نوره ساطعاً يدل عليه ، لأن هذا الحداد الرومي أعجمي لا يحسن العربية ، فليس بمعقول أن يكون مصدراً لهذا القرآن الذي هو أبلغ نصوص العربية بل هو معجزة المعجزات ومفخرة العرب واللغة العربية { لسان الذين يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين } أ-هـ مناهل العرفان للزرقاني (317-319) . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم والحمد لله رب العالمين.
أهم المصادر والمراجع:
1. دراسات في السيرة النبوية محمد بن سرور زين العابدين 164-167
2. مناهل العرفان للزقاني (317-319).
(7)
شبهة أنه لم يدخل في الإسلام مسلم طواعية و إنما بالغلبة و السيف:
يُردُّ عليها بأنْ يُقالَ : من أصول ومبادئ الإسلام و قواعده ، أنْ يترك الحريةَ للأفرادِ في اعتناقِ الإسلامِ؛ فمَن شاءَ أنْ يدخلَ في الإسلام فليدخل، ومَن شاء أن يبقى على دينِهِ بقي عليه ، له حقوقُه وعليه واجباتٌ تحفظ له كرامتَهُ في ظلِّ حُكمِ الإسلامِ ، عن قتادة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) في قوله سبحانه وتعالى : { لا إكراه في الدين } قال: كانتِ العربُ ليس لها دينٌ فأُكرهوا على الدِّين بالسَّيفِ، قال: ولا يُكره اليهوديُّ ولا النصرانيُّ ولا المجوسيُّ إذا أعطوا الجزيةَ. تفسير الطبري (3/16) يقول ابن كثير –رحمه الله – في تفسيره لهذه الآية: {لا إكراه في الدين} أي : لا تكر هوا أحداً على الدخول في دين الإسلام فانه بين واضح جلي دلائله وبراهينه لا يحتاج إلى أن يكره أحد على الدخول فيه بل من هداه الله للإسلام وشرح صدره ونور بصيرته دخل فيه على بينة ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره فانه لا يفيده الدخول في الدين مكرها مقسورا تفسير ابن كثير (1/313) وقد نزلتْ هذه الآيةُ في قومٍ من الأنصارِ أو في رجل منهم كان لهم أولاد قد هوَّدُوهم أو نصروهم فلما جاء الله بالإسلام أرادوا إكراههم عليه فنهاهم الله عن ذلك حتى يكونوا هم يختارون الدخول في الإسلام . عن ابن عباس (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال: ( كانت المرأة من الأنصار تكون مقلاتاً لا يعيش لها ولد، فتنذر إن عاش ولدها أن تجعله مع أهل الكتاب على دينهم ، فجاء الإسلام وطوائف من أبناء الأنصار على دينهم فقالوا إنما جعلناهم على دينهم ونحن نرى أن دينهم أفضل من ديننا، وإذ جاء الله بالإسلام فلنُكرهنهم فنزلت (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ) تفسير ابن كثير (1/313) فكان فصل ما بين من اختار اليهودية والإسلام فمن لحق بهم اختار اليهودية ومن أقام اختار الإسلام . عن ابن عباس (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) في قوله: { لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } البقرة، الآية 256 قال: نزلت في رجل من الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان، وكان هو رجلاً مسلماً، فقال للنبي (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) : ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله فيه ذلك) تفسير ابن جرير الطبري (3/14) فهل هناك أظهر من دحض هذه الشبة ؟؟ التي هي في الحقيقة زبدةٌ طافية كما قال تعالى: {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَّابِيًا } الرعد، الآية: 17 عن قتادة قال : ربا فوق الماء الزبد . والإسلام تزيده هذه الشبه بريقاً و لمعاناًً ، مثل كل شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد فيذهب خبثه ويبقى ما ينفع في أيديهم ، والخبث والزبد مثل الباطل قال تعالى : { وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ } الرعد، الآية: 17 هو الذهب إذا أدخل النار بقي صفوه، وذهب ما كان من كدر فهذا مثل ضربه الله تعالى للحق والباطل{ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء } الرعد، الآية: 17 يتعلق بالشجر فلا يكون شيئاً فهذا مثل الباطل {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ }. الرعد، الآية: 17 كما يقال بياناً لتميز دين الإسلام الحضاري الحق: كان القتال محرمٌ ، في بدء الإسلام ، حتى على المظلومين
أخرج الإمام البخاري –رحمه الله- في صحيحه : عن خباب (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) قال: (شكونا إلى رسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا، فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه) البخاري-كتاب الإكراه-باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر برقم6943 يقول ابن حجر –رحمه الله- في الفتح : وليس في الحديث تصريح أنه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يدع لهم بل يحتم أنه دعا وإنما قال قد كان من قبلكم يؤخذ ...الخ "تسلية لهم وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المحددة وإلى ذلك الإشارة بقوله في آخر الحديث ولكنكم تستعجلون" فتح الباري بشرح صحيح البخاري ابن حجر (12/317) يقول ابن بطال: أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجراً عند الله ممن أختار الرخصة ، وأما غير الكفر فإنه أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلاً فالفعل أولى. فتح الباري بشرح صحيح البخاري ابن حجر (12/317) ويقول سبحانه وتعالى : {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ} سورة الشورى، الآية: 40، 41، 42 فجاء الإذن بالقتال لرد العدوان و الظلم و التسلط على الجماعة المسلمة وكذلك إن ابتداء الكفار بقتال المسلمين ، فلا بد من تحقيق العدل ، والرد بالمثل ولكن دون طغيان واعتداء ، قال العلماء جعل الله المؤمنين صنفين صنف يعفون عن الظالم فبدأ بذكرهم في قوله وإذا ما غضبوا هم يغفروا وصنف ينتصرون من ظالمهم ثم بين حد الانتصار بقوله وجزاء سيئة سيئة مثلها تفسير القرطبي (16/40) وقال تعالى : { وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} البقرة، الآية:190 و السيف الذي شهره المسلمون هو لإزالة العقبة عن طريق هداية الإسلام ، و لكي ينتشر الإسلام وتعرفه جميع الشعوب وتقوى شوكته، فلا بد للحق من قوة تحميه، فما بالك بأعظم الحقائق وهو الدين العالمي والدين الخاتم الذي لا يقبل الله ديناً من أحد غيره ، قال تعالى : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران :51 نعوذ بالله من الانتكاسة والخذلان ، وأجارنا الله وإياكم من غضب الديان والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين.
أهم المصادر والمراجع :
1. تفسير ابن جرير الطبري (3/14) و (3/16) .
2. فتح الباري بشرح صحيح البخاري (12/317)
3. تفسير ابن كثير (1/313)
4. تفسير القرطبي (16/40)
(8)
شبهة شرب النَّبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ - للنبيذ
وقبل الإجابة على هذه الشبهة نعرف ما معنى النَّبيّذ؟
النَّبيّذ هو : كل ما ينتبذ في المـاء أو اللبـن أو غيـرها فهو نبيذ فقد جاء في معجم لسان العرب - لابن منظور الإفريقي (3/511):
النَّبْذُ : طرحك الشَّيء من يدك أَمامك أَو وراءك. نَبَذْتُ الشَّيء أَنْبِذُه نَبْذاً إِذا أَلقيته من يدك، ونَبَّذته، شدد للكثرة. ونبذت الشَّيء أَيضاً إِذا رميته وأَبعدته. ومنه الحديث: ((فنبذ خاتمه، فنبذ النَّاس خواتيمهم)) مسلم-كتاب اللباس والزينة-باب تحريم خاتم الذهب على الرجال برقم2091 . أي: أَلقاها من يده. وكلُّ طرحٍ: نَبْذٌ؛ نَبَذه يَنْبِذُه نَبْذاً.
والنَّبيّذ: معروف، واحد الأَنبذة.
والنَّبيّذ: الشَّيءُ المنبوذ.
والنَّبيّذ: ما نُبِذَ من عصير ونحوه. وقد نبذ النَّبيّذ وأَنبذه وانتبَذه ونَبَّذَه ونَبَذْتُ نبيذاً إِذا اتخذته، والعامة تقول: أَنْبَذْتُ. وفي الحديث: ((نَبَّذوا وانْتَبَذُوا)).وحكى اللحياني: نبذ تمراً جعله نبيذاً، وحكى أَيضاً: أَنبذ فلان تمراً. قال: وهي قليلة وإِنما سمي نبيذاً لأَنَّ الذي يتخذه يأْخذ تمراً أَو زبيباً فينبذه في وعاء أَو سقاء عليه الماء ويتركه حتى يفور فيصير مسكراً.
والنبذ: الطرح، وهو ما لم يسكر حلال فإِذا أَسكر حَرُمَ.وقد تكرر في الحديث ذكر النَّبيّذ، وهو ما يعمل من الأَشربة من التَّمر والزَّبيب والعسل والحِنطة والشَّعير وغير ذلك. يُقال: نبذت التَّمر والعنب إِذا تركت عليه الماء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إِلى فعيل. وانتبذته: اتخذته نبيذاً وسواء كان مسكراً أَو غير مسكر فإِنَّه يُقال له: نبيذ، ويُقال للخمر المعتصَرة من العنب: نبيذ، كما يقال للنَّبيذ: خمر. ونبذ الكتاب وراء ظهره: أَلقاه. وقد جاء في الحديث النبوي غير المحكوم عليه في الدرر السنة للألباني -رحمه الله- : ( أن النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- قال له ليلة الجن: ما في إداوتك؟! قال: قلت: نبيذ: قال: ( تمرة طيبة،وماء طهور،فتوضأ منه ) مشكاة المصابيح 459. فالنَّبيّذ كما هو مشار في الحديث هو الماء الموضوع فيه قليل من التمر مما يجعل طعم الماء حلو المذاق وليس كما يدعي الكفرة على رسول الله و خير الأنام عليه أفضل الصلاة و السلام .و شرب النَّبيّذ و العصير جائز بالاتفاق قبل غليانه ـ الغليان أي الاختمار ـ وذلك بدليل مشروعية هو : حديث أبى هريرة النسائي وغيره ، قال علمت أن النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) كان يصوم ، فتحنيت فطره بنبيذ صنعته في دبَّاء ، ثم أتيته به ، فإذا هو ينش ( أي يغلى أي مختمر ) فقال (اضرب بهذا الحائط ، فإن هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ) النسائي- كتاب الأشربة- باب تحريم كل شراب أسكر كثيره برقم5610 . وأخرج أحمد عن ابن عمر في العصير قال : ( اشربه ما لم يأخذ شيطانه ، قيل و في كم يأخذه شيطانه ؟ قال في ثلاث ) قلت : أي ثلاث ليال
المغني لابن قدامة (3/144) وأخرج مسلم وغيره من حديث ابن عباس (أنه كان ينقع للنبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ، ثم يأمر به فيسقى الخادم أو يهرق) مسلم- كتاب الأشربة - باب إباحة النَّبيّذ الذي لم يشتد ولم يصير مسكراً برقم2004
قلت : ومعنى قوله يسقى الخادم هو ما قاله أبو داود : ومعنى أن يسقى الخادم يبادر به الفساد ومظنة ذلك ما زاد على ثلاثة أيام . وقد أخرج ابوداود وغيره من حديث عائشة (أنها كانت تنتبذ لرسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- غدوة ، فإذا كان العِشى فتعشى ، شرب على عشائه ، وإن فضُل شيء صبته أو أفرغته ثم تنتبذ له بليل ، فإذا أصبح تغدَّى فشرب على غدائه قالت تغسل السقاء غدوة وعشية) أبو داود-كتاب الأشربة-باب في صفة النَّبيّذ برقم 3712
قلت : وهو لا يُنافي حديث ابن عباس السابق أنه كان يشرب اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة ، لأن الثلاث مشتملة على زيادة غير منافية ، والكل في الصحيح . قال -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- : ( إني كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثة أيام ، فامسكوا ما بدا لكم ، ونهيتكم عن النَّبيّذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكراً ) صحيح النسائي-كتاب الجنائز-باب زيارة القبور برقم 2032
وهذه الأدلة من الأحاديث النبوية والتفسيرات اللُّغوية نستنتج الآتي :
1. أن كل خمر هو نبيذ,ولكن ليس كل نبيذ هو خمر
2. أن النَّبيذ الذي كان يشربه رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- هو عبارة عن ماء منقوع به قليلاً من التمر وهو بمثابة العصير الذي لم يختمر ويصبح خمراً مسكراً كالخمر المتعارف عليه ومن المعروف ولا يخفى على أحد أن الخمر ما هي عصائر مخمجة و مغليه
3. نرى في الأحاديث المغايرة بين النَّبيّذ المسكر والذي نهى عنه النَّبيُّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- وبين النَّبيّذ المحلل شربه قبل غليانه
السؤال الثاني : هل هناك أنواع مختلفة للنبيــذ ؟
الإجابة : النقير : أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينتبذ فيه الْبِتْع :نبيذ العسل َالتَّمْرِ نَبِيذًا وَالْمِزْرُ : نَبِيذُ الشَّعِيرِ. يكفي هذا ونختصـر وندخل في سـؤال الصليبيين :-
الحـديث الذي لم يفـهـمه النصــارى :
حدثنا روح حدثنا حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله أن أعرابياً قال لابن عباس ما شأن آل معاوية يسقون الماء والعسل وآل فلان يسقون اللبن وأنتم تسقون النَّبيّذ أمن بخل بكم أو حاجة فقال ابن عباس ما بنا بخل ولا حاجة ولكن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- جاءنا ورديفه أسامة بن زيد فاستسقى فسقيناه من هذا يعني نبيذ السقاية فشرب منه وقال أحسنتم هكذا فاصنعوا .
فما هـو الأغلى في الثمن وسعره عال؟ المــاء أم اللـــبن أم العســل أم التمـر ؟ نسهل الإجابة عليكم : في الصحراء العربية يتوافر شجر البلح بينما نجد صعوبة في الحصول على المـاء ، واللبــن والعسـل في هذه البيئة الصحراوية . وبالتالي يا أخوه ويا من يبحث عن الحق النَّبيّذ المتوافر وببلاش ورخيص هو نبيذ البلح الذي يفعله المصريين في رمضان قبل الفِطار وهو الذي شربه النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- كما في الحديث لان الناس اتهموا آل عباس بالبخـل لاستخدامهم نبيذ البلح وليس الخمـــر الغالية الثمن مقارنه بالمـاء واللبـن والعسـل يعنى لو كان النَّبيّذ الذي شربه النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- خمراً فلن يتهم آل عباس بالبخل لان الخمر أغلى من الماء واللبن والعسل. بعض الأدلـة على الماشي للتوضيح
الحديث الأول:
حدثني إِسْحَاقُ حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِى مُوسَى الأشعري (رضي الله عنه) أَنَّ النَّبيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصْنَعُ بِهَا فَقَالَ « وَمَا هِىَ ». قَالَ الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ. فَقُلْتُ لأَبِى بُرْدَةَ مَا الْبِتْعُ قَالَ نَبِيذُ الْعَسَلِ وَالْمِزْرُ نَبِيذُ الشَّعِيرِ. فَقَالَ « كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ ». رَوَاهُ جَرِيرٌ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ عَنِ الشَّيْبَانِىِّ عَنْ أَبِى بُرْدَةَ البخاري-كتاب المغازي-باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع برقم4343
الحديث الثاني :
(آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ الإِيمَانِ بِاللَّهِ هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَإِقَامُ الصَّلاَةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغَانِمِ الْخُمُسَ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ مَا انْتُبِذَ في الدُّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ ). البخاري –كتاب المغازي-باب وفد عبد قيس برقم 4368 والنقير : أصل النخلة ينقر وسطه ثم ينتبذ فيه
الحديـــث الثالـث:
5644 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- عَنِ الْبِتْع (نبيذ العسل)ِ فَقَالَ « كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهْوَ حَرَامٌ ) البخاري-كتاب الأشربة-باب الخمر من العسل وهو البتع برقم5585
الحديث الفاصل والحكم في القضية رقم 3305 :
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- « نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا وَنَهَيْتُكُمْ عَنْ لُحُومِ الأضاحي فَوْقَ ثَلاَثٍ فَأَمْسِكُوا مَا بَدَا لَكُمْ وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبيّذِ إِلاَّ في سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا في الأَسْقِيَةِ كُلِّهَا ». مسلم-كتاب الجنائز استئذان النَّبيّ ربه عز وجل في زيارة قبر أمه برقم 977
قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ في رِوَايَتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ( وَلاَ تَشْرَبُوا مُسْكِرًا)
وجاءت أحاديـث خاصة بالتمـر والبلـح :
يقول الرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ( لاَ تَجْمَعُوا بَيْنَ الرُّطَبِ وَالْبُسْرِ وَبَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ نَبِيذًا ). مسلم- كتاب الأشربة-باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين برقم 1986 .
و قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- ( مَنْ شَرِبَ النَّبيّذَ مِنْكُمْ فَلْيَشْرَبْهُ زَبِيبًا فَرْدًا فَرْدًا أَوْ بُسْرًا فَرْدًا أَوْ تَمْرًا) . مسلم-كتاب الأشربة-باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين برقم 1987
وبهذا يا أخوه ويا من تبحث عن الحـق قـد ظهـر لكم مدى جهـل الصليبيين في اللغة العربية ومبادئ القراءة وحقــدهم على الإسلام ورسـوله العظيم -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ- . والآن هل بقى لكم حجه ؟؟؟ وعلى فكره آخر حديث هو حديث تربوي وأتحدى البابا شنوده وجهابذه النصارى في اللغة أن يفهوا منه شئ ونسألهم مـن الذي شـرب الخمـر ؟ محمـد أم اليســوع ؟ يعترف الكتاب المقـدس أن أول معجزات الـرب يسـوع هي في صـالح المساطيل والخمــورجية والمـــدمنين,وشرب الخمـر!!
واليكم الــدليل من الإنجيل :
1. انجيل يوحنا (2/3) وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك.
2. ودُعِي أيضاً يسوع وتلاميذه إلى العرس.
3. ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم خمر.
4. قال لها يسوع ما لي ولك يا امرأة.لم تأت ساعتي بعد.
5. قالت أمه للخدام مهما قال لكم فافعلوه.
6. وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كل واحد مطرين أو ثلاثة.. قال لهم يسوع املأوا الأجران ماء.فملوها إلى فوق.
7. ثم قال لهم استقوا الآن وقدموا إلى رئيس المتكأ.فقدموا.
8. فلما ذاق رئيس المتكأ الماء المتحول خمرا ولم يكن يعلم من أين هي.لكن الخدام الذين كانوا قد استقوا الماء علموا.دعا رئيس المتكأ العريس
9. وقال له.كل إنسان إنما يضع الخمر الجيدة أولا ومتى سكروا فحينئذ الدون.أما أنت فقد أبقيت الخمر الجيدة إلى الآن.
10. هذه بداءة الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل واظهر مجده فآمن به تلاميذه
النص الثاني يديـن يســوع انجـيل لوقا 7/34
جاء ابن الإنسان يأكل ويشرب فتقولون هو ذا إنسان أكول وشرّيب خمر.محب للعشارين والخطاة.) ولكم الحكم يا أصحاب العقـول .
من أهم المصادر والمراجع :
1. معجم لسان العرب - لابن منظور الإفريقي- (3/511) :
2. مشكاة المصابيح (459)
3. المغني لابن قدامة المقدسي (3/144)
(9)
شبهة القول بأن القرآن من وضع محمد-صلى الله عليه وسلم-
1. الفرق بين القرآن الحديث:
زعم المستشرقون بأن القرآن الكريم من وضع محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ) ، ولا يملكون دليلاً على ذلك ، لا بل الأدلة تصفهم ، فرسول الله (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لبث ثلاثاً وعشرين عاماً يتلو القرآن الكريم ، ويحدث قومه بالحديث النبوي، ولم نجد تقارباً أو تشابهاً بين القرآن والحديث، ومع أن الرسول (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أوتي جوامع الكلم فهو لا يستطيع أن يأتي بسورة بل بآية تشبه آيات القرآن. ويستحيل أن يكون القرآن من وضعه ، والحديث من وضعه ولا يكون تشابه ولو في بعض الآيات والأحاديث على الأقل.
2. عتاب الله لنبيه:
كان (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) يأتيه القرآن على غير ما عمل فيعاتبه ، ومن ذلك قوله تعالى: { يا أيها النَّبيّ لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك } التحريم، الآية:66. وفي قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش (رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) قال تعالى معاتباً نبيه (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ): { وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه } الأحزاب، الآية: 37. وعن أبن أم مكتوم قال الله تعالى : { عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك لعله يزكى ... الخ } عبس، الآيات 1-5. وجاءه قول الله تعالى بعد أن صلى على المنافق عبد الله بن أبي: { ولا تصل على أحد منهم مات أبداً ولا تقم على قبره } التوبة: الآية:184. ولو كان القرآن من وضعه لما ذكر فه مثل هذه الأخطاء ، بل لو كان (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) يملك أن يخفي خبراً واحداً لما أصبحت هذه الأخبار قرآناً يتلوه المسلمون على مر الأزمان والعصور ، وجلَّ من قائل: { ولو تقوَّل علينا بعض الأقاويل ، لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين} الحاقة، الآية: 44-47.
قلت : فبعد هذا يتبين لك أخي القارىء الكريم مدى خبث النصارى وكذبهم وافتراءهم على نبينا محمد (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) وحقدهم الشنيع على الإسلام والمسلمين ، وما ذكرنا فيه تبصرة وذكرى لكل ذي لب ولكل منصف باحث عن الحق ، والله أعلم وصلى الله سلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أهم المصادر:
1. دراسات في السيرة النبوية لمحمد بن سرور زين العابدين (160-161).
(10)
شبهة إثبات الوحي عن طريق خديجة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا)
يقول النصارى والملحدون :
كيف لا يعرف النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) الوحي الذي أنزل عليه؟ وكيف يطلب من خديجة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا) أن تتأكد له من الوحي بجلوسه على فخذها؟ وكيف ينتظر منها أن تخبره إذا كان هذا وحي أم شيطان؟ ويستدلون على كلامِهم هذا برواية أوردها ابن هشام في سيرته.
وللرد على هذه الشبهة :
نورد لكم هذه الرواية أولاً من سيرة ابن هشام وهي من طريقين ,ثم نقوم بمشيئة الله تعالى بتفنيد مزاعمهم وثم نبيين ضعف هذه الرواية وسقوطها وبالله تعالى نستعين. واليكم الرواية:
الطريق الأول :
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ : أَنّهُ حُدّثَ عَنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا أَنّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) أَيْ ابْنَ عَمّ أَتَسْتَطِيعُ أَنّ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِك هَذَا الّذِي يَأْتِيك إذَا جَاءَك ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَتْ فَإِذَا جَاءَك فَأَخْبِرْنِي بِهِ . فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لِخَدِيجَةَ يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي ، قَالَتْ قُمْ يَا ابْنَ عَمّ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُسْرَى ; قَالَ فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) فَجَلَسَ عَلَيْهَا ، قَالَتْ هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ فَتُحَوّلْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخِذِي الْيُمْنَى ; قَالَتْ فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) فَجَلَسَ عَلَى فَخِذِهَا الْيُمْنَى ، فَقَالَتْ هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَتْ فَتَحَوّلْ فَاجْلِسْ فِي حِجْرِي ، قَالَتْ فَتَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) فَجَلَسَ فِي حِجْرِهَا . قَالَتْ هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَحَسّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَرَسُولُ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا ، ثُمّ قَالَتْ لَهُ هَلْ تَرَاهُ ؟ قَالَ لَا ، قَالَتْ يَا ابْنَ عَمّ اُثْبُتْ وَأَبْشِرْ فَوَ اَللّهِ إنّهُ لَمَلَكٌ وَمَا هَذَا بِشَيْطَانٍ . سيرة ابن هشام (1/239)
الطريق الأخرى:
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ حَدّثْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ حَسَنٍ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ قَدْ سَمِعْتُ أُمّي فَاطِمَةَ بِنْتَ حُسَيْنٍ تُحَدّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ خَدِيجَةَ إلّا أَنّي سَمِعْتُهَا تَقُولُ أَدْخَلَتْ رَسُولَ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) بَيْنَهَا وَبَيْنَ دِرْعِهَا ، فَذَهَبَ عِنْدَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) إنّ هَذَا لَمَلَكٌ وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ ( انتهى سرد الروايات)
سيرة ابن هشام (1/239)
ونقول بعد ذلك وبالله تعالى التوفيق:
على فرض صحة هذه الرواية ,لم يرد فيها أن النَّبيّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ) لم يعرف الوحي الذي انزل عليه,وليس فيها انه طلب من خديجة أن تتأكد له من الوحي,وهذا يرجع عندهم إلى التعصب الأعمى الذي يقودهم إلى اختلاق الأكاذيب أو أنهم لا يفقهون ما يقراؤن ويرددون كلام المستشرقين كطائر الببغاء, وكل ما في الرواية أن خديجة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا) هي التي طلبت التأكد وليس النَّبيّ عليه السلام,... فتأمل!!!
ونحن لسنا بحاجة إلى هذا التبرير لان الرواية ضعيفة ,ولكن أردنا أن نبين على فرض صحتها مدى تفكيرهم السقيم وحقدهم على البشير النذير.واليك الآن عزيزي القارئ إثبات ضعف هذه القصة :
الطريق الأولى :
فيها إسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي حَكِيمٍ مَوْلَى آلِ الزّبَيْرِ وهو إسماعيل بن إبراهيم وهو ضعيف, ضعفه الذهبي وغيره من علماء الحديث. وعلة أخرى وهي أن إسماعيل هذا قال : أَنّهُ حُدّثَ عن خديجة (بضم الحاء وكسر الدال) ولم يذكر من حدثه عنها وهذا كاف لإبطال الرواية ولله الحمد.
الطريق الأخرى
وهي عن فاطمة بنت حسين عن خديجة,وفاطمة هي بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رَضِيَ اللهُ عَنْهُم,وهي تابعية ولدت بعد وفاة خديجة بنحو ثلاث وأربعين سنة, ففاطمة على هذا لم تسمع من خديجة ,فيصبح الحديث من المراسيل وهذا أيضاً كاف لتضعيف هذه الطريق, وحتى الحسين (رضي الله عنه)لم يرى خديجة لأنها توفيت (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا) قبل الهجرة بثلاث سنين ,والحسين و لد في شعبان سنة أربع من الهجرة أي بعد وفاتها بسبع سنين ,فإذا كان أبوها لم يسمع من خديجة ,فكيف بابنته فاطمة ؟ (رَضِيَ اللهُ عَنْهُم) جميعاً,,,,,,, فتأمل !!! وهكذا أخي القارئ الكريم يتبين لك مدى ضعف هذه الرواية ومدى سقوط الاحتجاج بها ,وان خصومنا من النصارى وغيرهم يتعلقون بالضعيف والمكذوب نسال الله السلامة ونعوذ بالله من الخذلان والله تعالى أعلم والحمد لله رب العالمين .
أهم المصادر والمراجع:
1. سيرة ابن هشام (1/239) (امتحان خديجة (رَضِيَ اللهُ عَنْهُا)ة برهان الوحي)