في آخر مقال تحدثنا عن أهم الصفات التي تميز الشخصية العبقرية والمبدعة عن بقية الشخصيات . ورغم أنها صفات بديهية وتلقائية لدى "العباقرة" إلا أنه يمكن لعامة الناس تبنيها واقتباسها كوسيلة للوصول الى مدارج العبقرية - أو على الأقل مواجهة مشاكلنا بطريقة أكثر ذكاء وإبداعا..
وكما يملك العباقرة إحساسا عميقا بوجود (مشكلة) في كل مايرونه أمامهم ؛ يملكون أيضا موهبة التفكير بطريقة مختلفة ويحتفظون بتساؤل الطفولة ويتمتعون بقدر كبير من سعة الخيال (وهي الصفات التي تعرضنا لها في آخر مقال)..
أيضا يتمتع العباقرة ب"دقة الملاحظة".. فالأحداث تمر بسرعة وتكشف عن نفسها في دورات منتظمة ووحده دقيق الملاحظة من يستطيع اقتناص الحقائق واضحة ومجسدة . وما يمنع عامة الناس من (اقتناص الحقائق جاهزة) مرورها السريع مقابل بلادة الذهن الناتجة عن إيقاع الحياة الممل . أما العبقري فهو دقيق الملاحظة ، قناص للحقائق، يرى ما لا يراه الآخرون - فيخرج بفكرة جديدة أو اكتشاف غير مسبوق !
أيضا يملك العباقرة نعمة "الاستغراق في التفكير".. فنحن في الحقيقة لا نفكر بعمق ونكتفي غالبا بلمس قشور المشكلة وتبني أول تفسير نجده - ناهيك عن تعاملنا مع المتغيرات بآلية رد الفعل.. أما التفكير العميق فيجعل الإنسان يدخل إلى جوهر المشكلة، ويساير شعباتها، ويمحص نتائجها، حتى يصبح الأمر كالتحدي : الفكرة شاردة والعبقري يطاردها بمختلف الفرضيات لعل في أحدها يكمن الحل - (وحين سئل نيوتن عن كيفية اكتشافه قانون الجاذبية أجاب: بالتفكير العميق والمستمر)..
أيضا العبقري لديه الشجاعة والجراءة على "مخالفة المعتاد".. فالإنسان بطبعه مشدود لما يألف يخاف مما يجهل. وهذا وحده كفيل بإبقاء البشرية كأول يوم خلقت فيه لولا نفر من العباقرة جبلوا على مخالفة المعتاد ومعارضة السائد وتجربة الجديد.. وما معنى عبارات مثل "مطعمي المفضل" و"كاتبي المميز" و "نجمي المحبوب" سوى أنك أصبحت أسير المألوف توقفت عن اكتشاف العالم من حولك.. أما العبقري فإنسان متمرد، ملول، يعشق تجربة الجديد، يعارض التقاليد السائدة ويستبدلها بحقائق جديدة أفضل وأجمل.. (وأنا شخصيا على قناعة بأن الخروج عن المعتاد هو نصف الإبداع) !
ومن صفات المبدعين المهمة قدرتهم على تجاوز المشكلة وإعادة ربط العلاقات.. فمن الملاحظ أن كثيرا من الاختراعات والاكتشافات كانت تطويراً لشيء موجود أو سبق اكتشافه . والعبقري يستطيع تطوير "ما سبق" لأنه قادر على رؤية النقص وتجاوز المشكلة المزمنة في هذا الاختراع أو ذاك الاكتشاف.. فعلى سبيل المثال ، المروحة الرأسية مسئولة عن سحب الطائرة إلى الأمام ، ولكن (سيكورسكي) أعاد تنظيم المشكلة ونظر إليها من زاوية جديدة فوضع المروحة بشكل أفقي واخترع طائرة الهليوكوبتر !
... إذاً ؛ هذه أبرز (وليست كل) الصفات الشخصية التي لوحظت لدى العباقرة والمبدعين.. وبالطبع يمكنك الاكتفاء بقراءتها ثم قلب الصفحة أو رمي الجريدة بأكملها.. ولكن إن كانت لديك رغبة حقيقية في أن تتأصل ضمن شخصيتك فتمعن بها مجددا وحاول تطبيقها في حياتك اليومية (حتى تصبح "جبلة" تظهر بشكل تلقائي)...
... أما إن أثار هذا الاقتراح ابتسامتك - ورأيت أن الأوان فات على سيادتك - فانظر للموضوع "كمبادئ تربوية" تنشّىء عليها أطفالك..... ومن يدري... !؟
للكاتب فهد الاحمدي