بقلم الشيخ : محمد بن إبراهيم الحمد
نحمدك اللهم أن هديتنا سبل الفلاح ، ونستعين بك على إعلاء كلمة الحق والدعوة إلى الاصلاح .
ونصلي ونسلم على نبيك محمد الذي أنـزلت إليه قرآناً عربياً , وعلى كل من دعا إلى سبيلك مخلصاً تقياً ؛ أما من زاغ عن الهدى ، واتخذ من المضلين عضداً , فإليك إيابه وعليك حسابه .
أيها الصائمون الكرام!
سلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته
أما بعد : فإن الدعوة إلى الله لمن أوجب الواجبات ، وأهم المهمات ، وأعظم القربات . وإن شهر رمضان لفرصة سانحة ، ومناسبة كريمة ، وأرض لنشر الدعوة خصبة ، ذلك أن القلوب في رمضان تلين لذكر الله ، وتستعد لقبول المواعظ الحسنة ، وتقوى بها أمارات التوبة .
الحديث في هذه الحلقة سيدور حول الدعوة إلى الله من حيث مفهومها ، وفضائلها وأدابها ، وما يدور في فلكها .
أيها المسلمون الكرام : الدعوة إلى الله – عز وجل – تشمل كل ما يُقصد به رفعةُ الإسلام ، ونشرُه بين الناس ، ونفيُ ما علق به من شوائب ، وردُّ كلِّ ما يغض من شأنه ، ويصرف الناس عنه .
والدعوة إلى الله تشمل كل قول ، أو فعل ، أو كتابة ، أو حركة ، أو سكنة ، أو خُلق ، أو نشاط ، أو بذل للمال ، أو الجاه ، أو أي عمل يخدم الدعوة ولا يخالف الحكمة .
ولا ريب أن العلم هو مرتكز الدعوة ، وهو أساسها ، ودليلها ، وقائدها .
ولكن الدعوة تحتاج مع العلم إلى كثير من الجهود التي مضى شيء منها ، فكل يعمل على شا كلته ، وقد علم كل أناس مشربهم .
أيها الصائمون الكرام !
لقد جاءت نصوص الشرع آمرةً بالدعوة ، منوهة بشأنها ، محذرة من التخاذل في تبليغها ، مبينةًَ فضائلها والأجور المترتبة عليها .
ولقد جاءت النصوص في ذلك الصدد على وجوه شتى ، وصيغ متعددة .
فجاءت بصيغة الأمر بالدعوة بصريح لفظها قال تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ )(النحل: من الآية125) وقال : (ِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مَآب ِ) (الرعد: من الآية36)
وجاءت بصيغة الأمر بالمعروف , والنهي عن المنكر (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ )(آل عمران: من الآية110) وجاءت بصيغة التبليغ (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ )(المائدة: من الآية67)وجاءت بصيغة النصح ( إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِه ِ)( التوبة: من الآية91 ) ، وجاءت بصيغة التواصي ( وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) ( العصر: من الآية 3) وجاءت بصيغة الوعظ ( قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ)، (سـبأ: من الآية46) وجاءت بصيغة التذكير ( وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(الذريات:55) وجاء بصيغة الإنذار (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) (الشعراء:214)
وجاءت بصيغة التبشير ( وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ) (البقرة: من الآية223) وجاءت بصيغة الجهاد (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) (الفرقان:52) ، وجاءت بصيغة التحذير من التولي عن الدعوة ونصرة الدين ( فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ )(المائدة: من الآية54).
أما فضائل الدعوة وثمراتها التي تعود على الأفراد بخاصة , وعلى الأمة بعامة ؛ فلا تكاد تحصى ، وأدلة الوحيين مليئة بذلك ، متضافرة عليه .
فالدعوة إلى الله طاعة لله ، وإرضاء له ، وسلامة من وعيده .
والدعوة إلى الله إعزاز لدين الله ، واقتداء بأنبيائه ورسله ، وإغاظة لأعدائه من شياطين الجن والإنس،وإنقاذ لضحايا الجهل والتقليد الأعمى .
والدعوة إلى الله سبب في زيادة العلم والإيمان ونـزول الرحمة ودفع البلاء ، ورفعه .
وهي سبب لمضاعفة الأعمال في الحياة وبعد الممات ، وسبب للاجتماع والألفة ، والتمكين في الأرض .
والدعوة إلى الله أحسن القول ، فلا شيء أحسن من الدعوة إلى الله ( وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (فصلت:33)
وهداية رجل واحد خير من الدنيا وما عليها ، والدعاة إلى الله هم أرحم الناس ، وأزكاهم نفوساً ، وأطهرهم قلوباً ، وهم أصحاب الميمنة , وهم ورثة الأنبياء .
أيها المسلمون الكرام !
هناك صفات يحسن بالداعي إلى الله أن يتصف بها -سواء كانت دعوية فردية أم عامة -فمن ذلك: العلم ، والعمل بالعلم ، والإخلاص ، والصبر والحلم ، وحسن الخلق ، والكرم والإيثار ، والتواضع ، والحكمة ، والرحمة ، والحرص على جمع الكلمة على الحق .
ومن الصفات التي يجمل بالداعي أن يتصف بها : الصفح الجميل ، ومقابلة الإساءة بالإحسان ، والثقة بالله ، واليقين بنصره ، والرضا بالقليل من المتاع ، والسعي للكثير من الخير .
ومنها تجنب الحسد ، وتجنب استعجال النتائج ، وتجنب التنافس على الدنيا والانهماك في ملذاتها ومشاغلها .
ومن آداب الداعي إلى الله أن يكون ملازماً اللين والرفق ، حريصاً على هداية الخلق ، مستشعراً للمسؤولية , قوي الصلة بالله كثير الذكر والدعاء والإقبال على الله بسائر القربات .
ومن آدابه: الحرص على مسألة القدوة ، وأن يغتنم كل فرصة للدعوة ، وألا يحتقر أي جهد في سبيلها مهما قل .
ومن آدابه: أن ينـزل الناس منازلهم ، وأن يتحامى قدر المستطاع ما يسوؤهم ، وأن يتحمل همهم وألا يحملهم شيئاً من همومه .
ومن آدابه: تحسس أدواء المدعوين ، ومعرفة أحوالهم .
ومنها: البعد من الجدال إلا في أضيق الحدود وبالتي هي أحسن .
ومنها: تعاهد المدعوين وتشجيعهم ، وربطهم بالرفقة الصالحة ، ومراعاة الحكمة في إنقاذهم من رفقة السوء .
ومنها: البدء بالأهم فالمهم ، والبعد عن الانتصار للنفس .
ومنها: تنويع وسائل الدعوة ، فتارة بالموعظة ، وتارة بالهدية ، وتارة بالتوجيه غير المباشر وهكذا .
ومنها: إظهار الاهتمام بالمدعو ومعرفة اسمه ، وإشعاره بأهميته ، وإشغاله بما ينفعه .
أيها الصائمون الكرام!
هذه هي الدعوة ، وتلك فضائلها ، وآداب أهلها ، فحريّ بنا أن نكون دعاة إلى الله ؛كلاً بحسبه . فهذا بعلمه ، وهذا ما بماله ، وهذا بجاهه , وهذا بجهده ، لنحقق الخيرية ولنسلم من الوعيد .
فيا طالب العلم هذا شهر رمضان فرصة عظيمة للدعوة إلى الله ، ....... القلوب ترق وها هي النفوس تهفو إلى الخير ، وتجيب داعي الله فهلا استشعرت مسؤوليتك ، وهلا استفرغت في سبيل الدعوة طاقتك وجهدك ، وهلا أبلغت وأعذرت ، !!ورفعت عن نفسك التبعة .
ويا من أتاه الله بسطة في المال ألا تؤثر الدعوة إلى الله بجانب من مالك ، فتساهم في كفالة الدعاة ، وإعدادهم ، وتشارك في طباعة الكتب الناقصة ، ونحو ذلك مما يدور في فلك الدعوة .ألا تريد أن تدخل في زمرة الدعاة إلى الله ، ويا من آتاه الله جاهاً ألا بذلته في سبيل الله ، ألا سعيت في تيسير أمور الدعوة إلى الله .
ويا أيها الإعلامي المسلم أيا كان موقعك ألا يكون لك نصيب في نشر الخير ، والدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة ، والطرح البناء ، أما علمت أنك ترسل الكلمة أو تعيد على إرسالها ، فتسير بها الركبان ، وتبلغ مابلغ الليل والنهار ، أما علمت أن لك غنمها ، وعليك فرقها ويا من حباه الله دراية ومعرفة بشبكة الاتصالات وما يسمى بالإنترنت، ألا جعلت من ذلك وسيلة لنشر الدعوة إلى الله أليس من اليسير في حقك أن تبث الخير على أوسع نطاق ، وبأقل مؤونة ألست تخاطب العالم ، وأنت منزو في قصر بيتك .
يا أيتها المرأة المسلمة ألا تسعين جاهدة في نشر الخير في صفوف النساء بما تستطيعين .
ويا أيها المسلمون عموماً ألا نتعاون جميعاً في سبيل الدعوة إلى الله ، ألا نجعل من شهرنا هذا ميداناً لاستباق الخيرات !، ألا نتعاو في نصح الغافلين ، وتذكير الناسين ، وتعليم الجاهلين !
ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين .
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ، وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .