يوسف الكويليت جريدة الرياض
مثل شعوب العالم، لنا أمانينا وآمالنا، لكن الواقع له دور آخر في تحريك الأحداث والمشاعر، وحين نرى إسرائيل بمناظيرنا المختلفة، فهي تجسد الأزمة الطويلة، ليس مع كيان أصبح يملك القوة ويمثلها بالغطرسة والعنف، وإنما بأسباب العمى العالمي عن قضية عادلة تأكد حقوق الشعب من خلال اعترافات أممية، ومع ذلك يتم نكران الحق والدفاع عنه بكل الأسلحة، بما في ذلك الاستعداد لحرب إبادة إذا ما تعرضت إسرائيل لأي خطر..
(إيباك) المنظمة الإسرائيلية ذات القوة النافذة والمنتشرة في كل شبر في أمريكا، تضغط ليفصل أساتذة الجامعات، ومطاردة من يخالفون التأييد المطلق لإسرائيل، بما في ذلك السقف الأعلى في المناصب الكبرى الأمريكية، حيث نجد أذرعتها تمتد إلى الاقتصاد، حين تحرك الأدوات التجارية في الميادين الحساسة العسكرية والأمنية، وتهيمن على قوائم مالية في البنوك والمراكز الإستراتيجية، ومن هذه الواجهات المؤثرة في المجتمع الأمريكي جعلت سلطة المال والإعلام قوة ضغطها، وقد تحول النافذون في صناعة القرار وتحويله إلى المسار الذي يتلاقى مع أهداف إسرائيل، إلى هم سياسي، وقيد على كل من يتحرك داخل هموم منطقة الشرق الأوسط وتعقيداتها، وإلا فقد أهليته للمنصب والبحث عن بديل يدخل الأسر الإسرائيلي بقوة ذلك النفوذ الجبار..
وحتى نفرق بين المأمول البعيد عن التحقيق، ومنطق الأشياء حين تصبح الأحداث هي التي ترسم الوقائع، وتنشرها على أكبر قاعدة اجتماعية، صار هناك من يعلن نقده لإسرائيل ويضعها داخل المساءلة القانونية، إلى درجة اتهام منظماتها والفاعلين بها، وإعلان أدوارهم صراحة في الأضرار التي لحقت بأمريكا، ومع أن هذه الأصوات تبقى محدودة، فإنها ترسم تحولات جديدة بدأت تظهر حتى من أعمدة قوة إيباك، بالتفريق بين من هو يهودي أمريكي يخضع لقوانين تلك الدولة، وبين من بايع إسرائيل كوطن أصلي لوطن رديف يمول بالمال والسلاح والدعاية والإعلان إسرائيل، من دون النظر إلى مؤثرات ما يجري في العالم، ويعلن صوته الناقد لإسرائيل من خلال واجهات عالمية صارت تصل إلى الأذن الأمريكية العامة، التي حاولت السلطات المتعاقبة ومن يدورون في فلك (اللوبي) الصهيوني عزلها عن أي مؤثر على سطوتها، ودورها في تحريك آلية العمل السياسي والعسكري، ودفعهما إلى ما جعل أمريكا عدواً عالمياً لكل الشعوب والأمم، لكن يقظة بعضهم بدأت توقظ واجهات يهودية كثيرة، بأن العوامل الراهنة قد تدفع بالقوة العظمى أن تعيد النظر بما عدته حلفاً روحياً وصل أن رجح المصالح الإسرائيلية على المصالح الأمريكية..
ليس في الأمر انقلاب نهائي سوف يغيّر الوقائع بأن تكون أمريكا متباعدة عن إسرائيل، وإنما الذي يحدث أن الأزمات المتلاحقة تركت تأثيراً مباشراً، ليس على صانع القرار، وإنما محاسبته من قبل قطاع بدأ يفكر بشكل أكثر واقعية، والتفاتاً إلى الأوضاع الأمريكية برمتها.
وجاء السؤال، لماذا معاركنا الحادة والدائمة هي في المنطقة التي توجد بها إسرائيل، وبأي سياسة خضنا الحروب، وما الأهداف، ومن حرك النوازع، ثم هل كسبنا من تلك المعارك ما يؤهلنا أن نكون الدولة المقبولة دولياً، وشرق أوسطياً؟
هذا التحرك والتململ، مع محدوديتهما فإن مغزاهما يشكل أمراً لم نره من خلال مسيرة نصف القرن في زواج إسرائيلي أمريكي لا طلاق فيه، ولكنه بداية لعودة العقل وتغليب المصلحة الأمريكية على غيرها..