من خلال الفناء تبدأ الحياة، وحين يموت شيء تنبثق منه حياة جديدة .. والموت ليس فقط قضاء نافذا على الأحياء، بل وعلى كل جسم ومظهر فيزيائي وكيميائي نراه حولنا . والكون العظيم (بما فيه من مجرات ونجوم وكواكب وأحياء) سيموت بدوره مثل كل شيء .. ولكن ؛ لأن قانون الوفاة ينص على (بقاء الأجسام الأضخم لعمر أطول) تسمح له ضخامته الهائلة بالعيش لفترة تتجاوز مليارات السنين !!
... وجميع الأديان تخبرنا بوجود نهاية للكون (والدنيا بأسرها) ولكنها تقتصر على وصف المشهد العام للحدث دون الإخبار بالدافع أو السبب (وَيَومَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأَرضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ) .. وقد يكون هذا جزءا من مهمتنا في البحث عن كيفية بدء وانتهاء الحياة (قُل سِيرُوا فِي الأَرضِ فَانظُرُوا كَيفَ بَدَأَ الخَلقَ) .. وبالفعل وضع العلماء فرضيات (خاصة) لفناء الأرض وأخرى (عامة) لفناء الكون بأكمله.. فالحياة على الأرض يمكن أن تنتهي بأكثر من 125سبباً فلكياً أو جيولوجياً مفاجئاً؛ فهي مثلا يمكن أن تختفي بسبب نيزك ضخم (كالذي أباد الديناصورات و85% من المخلوقات قبل 65مليون عام) ويمكن أن تنتهي بسبب تمدد مفاجئ للشمس يبتلع الأرض والكواكب القريبة، ويمكن أيضاً أن تنتهي بسبب تباطؤ دوران الأرض أو انفجار قلبها وخروج الحمم إلى سطحها ....
- أما فناء الكون فله فرضيات كثيرة أهمها اثنتان :
@ الأولى توقف تمدده الحالي (بفعل قوة الجذب) وتقلصه إلى مجرد كرة صغيرة سوداء ينتهي بداخلها الزمان والمكان!!
@ والثانية موته بسبب استنفاد طاقته الحرارية (من خلال ما يُعرف بظاهرة الموت الحراري للأجسام).
... فالكون ولد من كرة مركزية صلبة انفجرت قبل 15مليار عام ومازال يتوسع نتيجة لهذا الانفجار - مصداقا لقوله تعالى (وَالسَّمَاء بَنَيناهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) .. وحين يستنفد طاقته في التمدد والتوسع سيبدأ في التقلص والانكماش (بسبب تجاذب الأجسام داخله) ويتحول إلى كرة خاملة سوداء استعدادا للانفجار من جديد - وبدء دورة كونية تالية..
... أما الفرضية الثانية فتعتمد على القانون الثاني للديناميكية الحرارية .. فهذا القانون يؤكد على ضرورة حدوث فقد في الطاقة حين تتحول من شكل لآخر؛ ففي سيارتك مثلاً تتحول طاقة البنزين الكيميائية إلى طاقة حركية تدير العجلات . غير أن جانباً كبيراً من طاقة البنزين تذهب هدراً (على شكل حرارة لا يمكن الاستفادة منها) في حين يتحول جزء منها فقط إلى شغل ميكانيكي نافع يدير العجلات .. وسواء تحول البنزين إلى حرارة تنطلق في الجو - أو إلى مسافة تقطعها سيارتك - يختفي كمادة ولا يعود بالإمكان استرجاعه مطلقا ...
وما يحدث في المحركات ليس إلا مثالا لتسرب حراري مشابة يتم هدره من خلال العمليات الكونية .. والنتيجة الحتمية هي الانتهاء لمرحلة تتحول فيها كامل الأجرام الكونية إلى طاقة حرارية (كما تحولت مادة البنزين إلى طاقة حرارية يصعب استرجاعها من جديد) !!
... وظاهرة الموت الحراري هذه تذكرنا بأن للكون نهاية وبداية (وأنه ليس ازلياً كما يدعي البعض) .. كما تذكرنا بأن الكون يعمل من خلال طاقة محسوبة (ذات كمية محددة منذ البداية) الأمر الذي يستدعي بداهة وجود من حدد كميتها ووقت نفادها منذ البداية ...
(أَوَلَم يَرَوءا كَيفَ يُبدِئُ اللَّهُ الخَلقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ )
للكاتب فهد الاحمدي