س : كيف نرد على من قال : إنكم تقولون : إن الله ينزل إلى السماء الدنيا بالثلث الأخير من الليل وإن ذلك يقتضي تركه العرش ؛ لأن ثلث الليل الأخير ليس في وقت واحد على أهل الأرض ؟
هذا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو القائل عليه الصلاة والسلام : أخرجه البخاري في كتاب الجمعة ، باب الدعاء في الصلاة من آخر الليل ، برقم 1145 ، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها ، باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة ، برقم 758 . ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول : من يدعوني فأستجيب له ، من يسألني فأعطيه ، من يستغفرني فأغفر له ، حتى ينفجر الفجر . متفق على صحته ، وقد بين العلماء أنه نزول يليق بالله وليس مثل نزولنا ، لا يعلم كيفيته إلا هو سبحانه وتعالى ، فهو ينزل كما يشاء ولا يلزم من ذلك خلو العرش فهو نزول يليق به جل جلاله ، والثلث يختلف في أنحاء الدنيا وهذا شيء يختص به تعالى لا يشابه خلقه في شيء من صفاته كما قال سبحانه : سورة الشورى الآية 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وقال جل وعلا : سورة طه الآية 110 يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا وقال عز وجل في آية الكرسي : سورة البقرة الآية 255 وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ والآيات في هذا المعنى كثيرة وهو سبحانه أعلم بكيفية نزوله ، فعلينا أن نثبت النزول على الوجه الذي يليق بالله ، ومع كونه استوى على العرش ، فهو ينزل كما يليق به عز وجل ليس كنزولنا ، إذا نزل فلان من السطح خلا منه السطح ، وإذا نزل من السيارة خلت منه السيارة ، فهذا قياس فاسد له ؛ لأنه سبحانه لا يقاس بخلقه ، ولا يشبه خلقه في شيء من صفاته.
كما أننا نقول : استوى على العرش على الوجه الذي يليق به سبحانه ولا نعلم كيفية استوائه ، فلا نشبهه بالخلق ولا نمثله وإنما نقول : استوى استواء يليق بجلاله وعظمته.
ولما خاض المتكلمون في هذا المقام بغير حق حصل لهم بذلك حيرة عظيمة ، حتى آل بهم الكلام إلى إنكار الله بالكلية ، حتى قالوا : لا داخل العالم ولا خارج العالم ولا كذا ولا كذا ، حتى وصفوه بصفات معناها العدم وإنكار وجوده سبحانه بالكلية ، ولهذا ذهب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل السنة والجماعة تبعا لهم فأقروا بما جاءت به النصوص من الكتاب والسنة ، وقالوا : لا يعلم كيفية صفاته إلا هو سبحانه ، ومن هذا ما قاله مالك رحمه الله : " الاستواء معلوم ، والكيف مجهول ، والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة " يعني : عن الكيفية ومثل ذلك ما يروى عن أم سلمة رضي الله عنها وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ مالك رحمهما الله : "الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول والإيمان بذلك واجب" ومن التزم بهذا الأمر سلم من شبهات كثيرة ، ومن اعتقادات لأهل الباطل كثيرة عديدة وحسبنا أن نثبت ما جاء في النصوص وألا نزيد على ذلك.
وهكذا نقول : يسمع ويتكلم ويبصر ويغضب ويرضى على وجه يليق به سبحانه ولا يعلم كيفية صفاته إلا هو ، وهذا هو طريق السلامة وطريق النجاة وطريق العلم وهو مذهب السلف الصالح ، وهو المذهب الأسلم والأعلم والأحكم ، وبذلك يسلم المؤمن من شبهات المشبهين ، وضلالات المضللين ، ويعتصم بالسنة والكتاب المبين ، ويرد علم الكيفية إلى ربه سبحانه وتعالى ، والله سبحانه ولي التوفيق .
فتوى للشيخ العلامه عبدالعزيز ابن باز رحمه الله
موقع دار الافتاء